فصل: 123 محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى أبو عبد الله ابن بنت عبد الله ابن أبى القاضى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: طبقات الشافعية الكبرى **


112 محمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطى الفقيه المقرئ

حدث عن عدى بن عبد الباقى وخيثمة بن سليمان وأحمد بن مسعود الوزان وجماعة

روى عنه إسماعيل بن رجاء وعمر بن أحمد الواسطى وغيرهما

وأخذ القراءة عرضا عن أبى بكر بن مجاهد وأبى بكر بن الأنبارى وجماعة

وله قصيدة فى نعت القراءة أولها

أقول لأهل الكتب والفضل والحجر ** مقال مريد للثواب وللأجر

مات سنة سبع وسبعين وثلاثمائة

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا أخبرنا عبد الحافظ بن بدارن أخبرنا أحمد ابن طاووس أخبرنا حمزة بن أحمد السلمى أخبرنا نصر بن إبراهيم الفقيه أخبرنا عمر بن أحمد الخطيب أخبرنا أبو الحسين الملطى حدثنا أحمد بن محمد بن إدريس الإمام بحلب حدثنا سهل بن صالح الأنطاكى حدثنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله لهند ‏(‏ خذى من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف ‏)‏ وكانت قالت له يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطينى ما يكفينى ويكفى بنى فآخذ من ماله وهو لا يعلم فهل على منه شيء

113 محمد بن أحمد بن على بن شاهويه

‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

114 محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الإمام الجليل أبو بكر بن الحداد المصرى

صاحب الفروع وساحب ذيل الفضل الذى هو على الرؤوس محمول وعلى العيون موضوع ذو الفكرة المستقيمة والفطرة السليمة فكره فى محتجبات المعانى سارية وفى سماء المعالى سامية وقريحه عجيبة الحال ما أدراك ماهية نار حامية إمام لا يدرك محله وجواد لا يجاريه إلا ظله سارت مولداته فى المغارب والمشارق وطرق فكره الأسماع وما أدراك ما الطارق وناطق قال فكان له من القول بسيطه ووجيزه ومصرى صح على نقد الأذهان إبريزه ووضح حليه فعوذ من شر الوسواس الخناس واصطفت الأئمة معه فقال لسان الحق مروا أبا بكر فليصل بالناس

يقف التوهم عنه حدة ذهنه ** فقضى على غيب الأمور تيقنا

أمضى إرادته فسوف له قد ** واستقرب الأقصى فتم له هنا

ولد يوم موت المزنى

وأخذ الفقه عن أبى سعيد محمد بن عقيل الفريابى وبشر بن نصر غلام عرق ومنصور بن إسماعيل الضرير

وجالس أبا إسحاق المروزى لما ورد مصر

ودخل بغداد سنة عشر وثلاثمائة فاجتمع بجرير وأخذ عنه واجتمع أيضا بالصيرفى وبالإصطخرى ولم يتهيأ له الاجتماع بأبى العباس ابن سريج فكان يتأسف ويقول وددت أنى رأيت ابن سريج وأنى أحم فى كل ليلة إلى أن أموت

وأخذ العربية عن محمد بن ولاد

وسمع الحديث من جماعة منهم محمد بن عقيل الفريابى الفقيه وأبو يزيد القراطيسى وعمر بن مقلاص والنسائى وغيرهم ولكنه لم يحدث عن غير النسائى

قال الدارقطنى كان ابن الحداد كثير الحديث ولم يحدث عن غير أبى عبد الرحمن النسائى وقال جعلته حجة فيما بينى وبين الله تعالى

وكان كثير التعبد يختم كل يوم وليلة ويصوم يوما ويفطر يوما ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى فى ركعتين فى الجامع قبل الصلاة سوى التى يختمها كل يوم

وكان عارفا بالحديث والأسماء والكنى والنحو واللغة واختلاف الفقهاء وأيام الناس وسير الجاهلية حافظ لشيء كثير من الشعر

وكان حسن الثياب رفيعها حسن المركوب

وولى القضاء بمصر نيابة لابن هروان الرملى ولغيره أيضا

وكان نسيج وحده فى حفظ القرآن إمام عصره فى الفقه بحرا واسعا فى اللغة تجمل به وجوده يجلس فى خلوة للشغل بالعلم فيغشى حلقته الجم الغفير الذين يفوتون الحصر وله كلمة نافذة عند الملوك وجاه رفيع

وأما غوصه على المعانى الدقيقة وحسن استخراجه للفروع المولدة فقد أجمع الناس على أنه فرد فى ذلك ولم يلحقه أحد فيه

وله كتاب الباهر فى الفقه قيل إنه فى مائة جزء وكتاب أدب القضاء فى أربعين جزءا وكتاب جامع الفقه وكتاب الفروع المولدات المختصر المشهور الذى شرحه عظماء الأصحاب منهم القفال والشيخ أبو على السنجى والقاضى أبو الطيب الطبرى والقاضى الحسين المروزى وغيرهم

قال الرافعى فى كتاب العدد من الشرح ونقل القاضى الرويانى فى جمع الجوامع أن الإمام أبا بكر بن الحداد كان فقيد الخصية اليمنى وكان لا ينزل وكانت لحيته طويلة

وقال أبو عبد الرحمن السلمى سمعت الدارقطنى يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم ابن محمد المعدل النسوى المعدل بمصر يقول سمعت أبا بكر بن الحداد وذكره بالفضل والدين والاجتهاد يقول أحدث نفسى بما رواه الربيع عن الشافعى أنه كان يختم فى رمضان ستين ختمة سوى ما كان يقرأ فى الصلاة فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة وأتيت فى غير رمضان بثلاثين ختمة

قلت وفى ابن الحداد يقول بعضهم

الشافعى تفقها والأصمعى ** م تفننا والتابعون تزهدا

وقال ابن زولاق فى شوال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة سلم محمد بن طغج الإخشيد قضاء مصر إلى أبى بكر بن الحداد وكان أيضا ينظر فى المظالم ويوقع فيها فنظر فى الحكم خلافة عن الحسين بن محمد بن أبي زرعة محمد بن عثمان الدمشقى وهو لا ينظر وكان يجلس فى الجامع وفى داره وربما جلس فى دار ابن أبى زرعة ووقع فى الأحكام وكاتب خلفاء النواحي

وكان فقيها متعبدا يحسن علوما كثيرة منها علم القرآن وقول الشافعى وعلم الحديث والأسماء والكنى وسير الجاهلية والشعر والنسب ويحفظ شعرا كثيرا ويجيد الشعر

ويختم كل يوم وليلة فى صلاة ويصوم يوما ويفطر يوما ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى فى ركعتين فى الجامع قبل صلاة الجمعة سوى التى يختمها كل يوم

حسن الثياب رفيعها حسن المركوب فصيحا غير مطعون عليه فى لفظ ولا فضل ثقة فى اليد والفرج واللسان مجموعا على صيانته وطهارته

كان من محاسن مصر حاذقا بعلم القضاء أخذ ذلك عن أبى عبيد القاضى

إلى أن قال وكل من وقف على ما ذكرناه يقول صدقت

ثم قال وكان من محبته للحديث لا يدع المذاكرة وكان ينقطع إليه أبو منصور محمد ابن سعد الباوردى الحافظ فأكثر عنه من مصنفاته فذاكره يوما بأحاديث فاستحسنها أبو بكر وقال اكتبها لى فكتبها له فقال له يا أبا منصور اجلس فى الصفة ففعل فقام أبو بكر وجلس بين يديه وسمعها منه وقال هكذا يؤخذ العلم فاستحسن الناس ذلك منه

وكانت ألفاظه تتبع وأحكامه تجمع ورميت له رقعة فيها

قولا لحدادنا الفقيه ** والعالم الماهر الوجيه

وليت حكما بغير عقد ** وغير عهد نظرت فيه

ثم أبحت الفروج لما ** وقعت فيها على البديه

فى أبيات يعنى أن مادة ولايته من الإخشيد لا من الخليفة

وقد أجاب عن هذه الأبيات جماعة

ثم قال ولم يزل ابن الحداد يخلف ابن أبى زرعة فى القضاء إلى آخر أيامه وكان ابن أبى زرعة يتأدب معه ويعظمه ولا يخالفه فى شىء

قلت وماأحسن قول ابن الرفعة فى المطلب فى حق ابن الحداد بعد ما نصره فى فرعه المشهور بأنه وهم فيه وهو ما إذا أوصى بعبد لرجلين يعتق على أحدهما القصد دفع نسبة هذا الإمام الجليل عن الغلط إلى أن قال فإنه كما قال الإمام فى حق الحليمى إمام غواص لا يدرك كنه علمه الغواصون والبلدية علة جامعة للنصرة فإنه مصرى انتهى

وليس هو كقول الرافعى فى كتاب الطلاق إن ابن الحداد فوق ما قال إلا أن العجب أخذ برجله فزل

حج ابن الحداد ومرض فلما وصل إلى الجب توفى عند البئر والجميزة يوم الثلاثاء لأربع بقين من المحرم سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وهو يوم دخول الحاج إلى مصر وعاش تسعا وسبعين سنة وشهورا ثمانين سنة إلا قليلا وصلى عليه يوم الأربعاء ودفن بسفح المقطم عند قبر والدته وحضر أبو القاسم الإخشيد وأبو المسك كافور والأعيان جنازته

ومن الفوائد والملح والمسائل عن أبى بكر

كادت الملاعنة بين زوجين تقع فى زمانه وذلك أنه تقدم إليه رجل أنماطى فجحد بنتا من مولاة له كان قد أعتقها وتزوجها فشرع أبو بكر فى اللعان وتهيا له وعزم على المضى إلى الجامع العتيق بمصر بعد العصر وأن يجلس على المنبر ويقيم الرجل والمرأة

وعين واحدا من جلسائه لأن يضرب على فم الرجل بعد فراغه من الشهادة الرابعة ويخوفه من قول الخامسة ويقول إنها موجبة

وعين امرأة تضرب على فم المرأة أيضا عند فراغها من الشهادة الرابعة وتقول لها مثل ما قيل للرجل

وتبادر الناس وازدحموا على الاجتماع وحضرت الشهود فحسده أبو الذكر المالكى الذى كان حاكما بمصر قبله على شرف هذا المجلس وترفق بالرجل حتى اعترف بالبنت وسأل الزوجة إعفاءه من الحد

فما علم أبو بكر بفعله وأبو بكر من أذكى الخلق قريحة أمر بأن تحمل البنت على كتف أبيها وأن يطاف به فى البلد وينادى عليه هذا الذي جحد ابنته فاعرفوه

وهذا التعزير على هذا الوجه من ذكائه وقد عمله فى مقابلة ما عمل عليه فى المكيدة

ولأبى بكر فى هذا أسوة بمعلمه القضاء وهو أبو عبيد بن حربوية فإنه كان يرى أن الطفل إذا أسلمت أمه دون أبيه لا يتبعها في الإسلام وإنما يتبع الأب وهو رأى شيخه أبى ثور فأسلمت امرأة ذمية ولها ولد طفل ولم يسلم الأب ومات فدس على أبى عبيد من يسأله الحكم ببقاء كفر الطفل تبعا لأبيه فتفطن إلى أنه إن فعل ذلك قامت عليه الغوغاء ونصحه أبو بكر ابن الحداد نفسه وقال له لا تعمل بهذا وإياك والخروج فيه عن مذهب الشافعى فإنك إن فعلت ذلك نالك الأذى من الخاصة والعامة وعلم أنه إن لم يفعل خرج عن معتقده

فلما جلس أبو عبيد فى الجامع اجتمع الخلق بهذا السبب المبيت عليه بليل وقام رجل على سبيل الاحتساب وقال أيد الله القاضى هذه المرأة أسلمت ولها هذا الطفل فيكون مسلما أو على دين أبيه فقال أين أبوه وقد كان علم أنه مات فقالوا مات فقال شاهدين يشهدان أنه مات نصرانيا وإلا فالطفل مسلم

فكثر الدعاء له والضجيج من العامة وستر علمه بفهمه

ذكر أبو عاصم العبادى أن ابن الحداد ذكر فى فروعه أن الذمى إذا زنا وهو محصن ثم نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم استرق أنه يرجم

قلت ولم أجد هذا فى شىء من نسخ الفروع التى وقفت عليها بل وجدته فى شرحها للشيخ أبى على السنجى وعبارته ينبغى أن يرجم والواقف عليه لا يكاد يشك فى أنه من كلام أبى على لا من كلام ابن الحداد

قال ابن الحداد فى فروعه ولو أن وصيا على يتيم ولى الحكم فشهد عدلان بمال لأبى الطفل على رجل وهو منكر لم يكن له أن يحكم حتى يصير إلى الإمام أو الأمير فيدعى على المشهود عليه

هذا لفظه وعلله شارحوه بأنه حينئذ يكون خصما ومدعيا للصبى وهو الحاكم

ومن كان خصما فى حكومة لم يجز أن يكون حاكما فيها كما لا يجوز أن يحكم على غيره لنفسه وأيضا فإنه لو شهد للصبى الذى هو قيمه بمال لم يقبل ومن لايجوز شهادته لشخص لم يجز حكمه له

قال القفال فى شرح الفروع واختلف أصحابنا فى هذه المسألة فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه لأن القاضى يلى أمر الأيتام كلهم وإن يكن وصيا من قبل فلا تهمة هذا ملخص كلامه فى شرحه

والرافعى صحح أن له الحكم وعزاه إلى القفال وتبع في ذلك الشيخ أبا على فإنه ذكر فى شرح الفروع أنه سمعه من القفال

واعلم أن ما صححه الرافعى غير بين ولا جمهور أئمتنا عليه بل البين الذى يظهر ترجيحه قول ابن الحداد وقد ذكر ابن الرفعة فى المطلب أنه الصواب

قال والفرق بينه وبين غيره من الأيتام أن ولاية القاضى إذا لم يكن وصيا تنقطع عن المال الذى حكم به بانقطاع ولايته ولا كذلك الوصى إذا تولى القضاء فإن ما حكم فيه لليتيم الذي تحت وصيته يبقى ولايته بعد العزل فقويت التهمة فى حقه وضعفت فى حق غيره

قلت وهذا فرق صحيح ولا شك أن الحاكم الوصى يتصرف لليتيم الذى هو قيمه ويجتمع فى تصرفه وصفان بينهما عموم وخصوص كونه حاكما وكونه وصيا وحينئذ فينبغى أن يكون التصرف بكونه وصيا وهو وصف لا يحكم به فلا سبيل إلى حكمه إذ لو حكم لكان بكونه حاكما ولو حكم بكونه حاكما لاحتاج إلى مدع ولا مدعى إلا الوصى وهو هو فلو كان حاكما لم يكن حاكما وهو خلف آيل إلى دور وهذا سر دقيق أوضحته فى كتاب الأشباه والنظائر فى قاعدة منع التعليل بعلتين

وبقى فى هذا الفرع تنبيه على عقدة فى الفرع لم أر من تكلم عليها لا ممن شرح الفروع ولا من غيرهم وذلك أن ابن الحداد فرض الفرع فى وصى ولى القضاء

فشهد عنده شاهدان فاقتضت عبارته تقييد المسألة بطرآن ولاية القضاء على كونه وصيا بأن يشهد عنده شاهدان وتبعه على التقدير من تقدم وتأخر آخرهم الرافعى والنووى وابن الرفعة

فأما القيد الأول وهو طرآن القضاء على الوصاية فقد يقال إنه لا فرق بينه وبين عكسه وهذا هو منتهى فهم أكثر من بحث معه فى المسألة

والذى ظهر لى أن القاضى إذا أسندت إليه وصية فإن كان مسندها أبا أو جدا فالأمر كذلك فإنه لم يكن عليه ولاية وإنما يتجدد بعدهما فيقارن تجددهما بالوصية تجددهما بفقدهما أو نحوه لكونه حاكما فينظر هنا فى أنه هل يتصرف بالوصفين عند من تعلل بعلتين أو إنما يتصرف بالوصفين عند من تعلل بعلتين أو إنما يتصرف بأحدهما وهو الذى ينصره فى الأصول

وإن كان مسندها وصيا جعل له الإسناد فيحتمل أن يكون كذلك ويحتمل أن لا يتجدد له بذلك شيء لأن ولايته من قبل هذا الإسناد فإن له مع الأوصياء ولاية

وهذا الإحتمال هو الذى يترجح عندى لكن يظهر على سياقه أن لا يصح قبوله لهذا الإسناد ما دام قاضيا ولم أجسر على الحكم به فإن تم ظهر به السر فى تقييد ابن الحداد

وأما القيد الثانى وهو قوله فشهد عنده شاهدان فقد يقال أيضا لا فائدة له بل لا فرق بين أن يشهد عنده شاهدان أو يحكم هو بعلمه وقد يقال لا يحكم هنا بعلمه جزما لشدة التهمة وما أظنهم يسمحون بذلك ولا يستثنونه من القضاء بالعلم بل من يجوز له الحكم فيما يظهر لا يفرق بين أن يقضى بالعلم أو بالبينة كسائر الأيتام وسائر الأقضية

نعم عبارة ابن الحداد يشهد عنده شاهدان وقد اختصرها الرافعى فقال هل له أن يسمع البينة ويحكم ولو اقتصر على قوله هل له أن يحكم لأفاد أنه هل يسمع البينة لأن من جوز سماع البينة جوز الحكم

ولعله أشار إلى أن قول ابن الحداد فشهد عنده شاهدان ليس على ظاهره إذ لا يقول أحد إنهما يشهدان عنده على وجه التأدية ثم لا يحكم وإنما المراد بشهادتهما عنده اختيارهما إياه فقول الرافعى هل له أن يسمع البينة من هذا الوجه خير من قول ابن الحداد فشهد عنده شاهدان لإنهائها أنه يسمع البينة ولا يحكم لكن قول ابن الحداد شاهدان خير من إطلاق الرافعى البينة لأنها قد توهم أن للشاهد واليمين هنا مدخلا ولا يمكن لأنه لو كان لكان الحالف هو ولا سبيل إلى أنه يحلف ويحكم لأن الحالف غير الحاكم ولأن الولى لا يحلف

وللرافعى أن يقول إنما عنيت بالبينة الكاملة وهى شاهدان

وأما قول ابن الحداد حتى يصير إلى الإمام أو الأمير فقد يقال من الذى يعنيه بالأمير فإن الأمير قد يطلق ويراد به أمراء العسكر الذين لا حكم لهم وإليه الإشارة فى مسألة ابن القطان وابن كج فيما إذا دعى الشاهد إلى أمير أو وزير هل له تأدية الشهادة عنده أولا لأن تأدية الشهادة إنما هو للحكام فأطلقا الأمير على من ليس بحاكم

وقد يطلق ويراد به الحاكم كقولنا أمير البلد

والأظهر أنه أراد الثانى فإن الأول لا حكم له والمراد أمير من قبل الإمام الأعظم جعل له الحكم وكذلك عبر الشيخ أبو على عن هذا الغرض بقوله ينبغى للحاكم أن يأتى إلى الإمام الأعظم أو الأمير الذى ولاه القضاء أو إلى حاكم آخر انتهى

وهذا على مصطلح بلادهم فى أن أمراء البلد يولون القضاة وقصد فى هذا التوقف فى أنه هل يدعى هذا الحاكم الذى هو وصى عند خليفته على الحكم أولا لكونه خليفة وفيه خلاف صرح به الشيخ أبو على وغيره فى هذه الصورة وصرح به الرافعى وغيره فيما إذا امتنع حكم الحاكم لنفسه أولا يعارضه هل له أن يتحاكم إلى خليفته

فرع ادعى فيه تناقض ابن الحداد

وأنا جامع أطرافه لتبددها فى كلام الرافعى رحمه الله وملخص القول فيه بحسب ما اجتمع لى

إذا وقعت الفرقة قبل الدخول بين الزوجين لا بسبب من واحد منهما فهل تجعل كأنها واقعة بسبب الزوجة فيسقط المهر بالكلية أو كأنها واقعة بسبب من جهة الزوج فيشطره

هذا أصل يقع خلافيا بين ابن الحداد والقفال رحمهما الله ابن الحداد يقول بالأول أبدا والقفال يقول بالثانى ولعله الراجح عند الرافعى تأصيلا وتفريعا أما تفريعا فلما ستراه عند ذكر الصور وأما تأصيلا فلإطلاقه فى باب تشطير الصداق أن موضعه كل فرقة لا بسبب من المرأة لكن يشبه أن يكون مراده هنا بالعام الخاص أى بكل سبب من جهة الزوج بدليل أنه قابله بقوله فأما إذا كان الفراق منها أو بسبب فيها ويكون قد سكت عما إذا لم يكن من واحد منهما وفيه صور

منها إذا تزوج جارية مورثة كجارية أبيه أو أخيه أو عمه أو غيرهم فمات السيد وزوجها وارث إما كل التركة أو بعضها انفسخ النكاح لأن النكاح والملك لا يجتمعان

وأما المهر إذا كان الموت قبل الدخول فقال ابن الحداد يسقط وهذا بناء على أصله لأن الفسخ لم يكن من قبل الزوج وإنما دخلت فى ملكه بالميراث أحب أو كره

قال الشيخ أبو على واشهدا على قول المرأة مشترى الزوج من سيده قبل الدخول سقط لأنه لم يكن للزوج فيه صنع ولذلك لو وجدت بالزوج عيبا قبل الدخول واختارت الفسخ سقط المهر كذلك مثله فى مسألتنا

وقال القفال ومن شرح الفروع له نقلت هذه الطريقة يسلكها صاحب الكتاب يعنى ابن الحداد فى مسائل كثيرة فتقول الفروع إذا انفسخ النكاح ولم يكن الزوج لانفساخه متسببا فلا مهر عليه وهذا عندى غلط بل الواجب أن يقال إذا انفسخ النكاح ولم تكن المرأة سببا فى الفسخ فلها المهر انتهى واستدل بما سنذكره

وهذه مقالة القفال المروزى صرح بها كما تراه فى هذه المسألة وفى نظائرها ونقلها عنه فى هذه المسألة القاضى أبو الطيب الطبرى فى شرح الفروع كما سنحكى كلامه ومع ذلك لم ينقلها عنه تلميذه الشيخ أبو على فى هذه الصورة بل قال ورأيت بعض أصحابنا يقول لا يسقط كل المهر فمن العجب أنه يخفى عنه مذهب شيخه مع نقله عنه نظيره فى نظائر المسألة فلقد قضيت من هذا العجب وكاد يوجب لى توقفا فى العزو إلى القفال ولكنى رأيته قد أفصح به فى شرح الفروع إفصاحا ونقله القاضى أبو الطيب عنه صريحا ونقل الشيخ أبو على عنه كما سترى فى نظائره مثله فاستتم لى قضاء العجب

ثم الأرجح من هذين الوجهين عند الرافعى قول القفال كما ذكره فى كتاب النكاح فى باب نكاح الأمة والعبد قبل فصل الدور الحكمى وهو أيضا لم يفصح بذكر القفال ولكن حكى الوجهين وعزا الأول لابن الحداد ورجح الثانى وعلى هذا الراجح يكون النصف تركة تقضى منه الديون وتنفذ الوصايا فإن لم يكن سقط إن كان النكاح جائزا لأنه لا يثبت له على نفسه وإلا سقط نصيبه وللآخر نصيبه

وسنذكر توجيه هذا الوجه من كلام القفال ونتكلم عليه

ومنها إذا تزوج ذمى ذمية صغيرة من أبيها ثم أسلم أحد أبويها قبل الدخول وتبعته فى الإسلام فانفسخ النكاح

قال ابن الحداد يسقط المهر لأن سبب فساد النكاح لم يوجد من الزوج

وقال الشيخ أبو على قال بعض أصحابنا لها نصف المهر لأن الفسخ وإن لم يكن من الزوج فليس منها أيضا وإذا لم يكن لها صنع فى الفراق لم يسقط كل المهر

قلت وقائل ذلك هو شيخه القفال فمن العجب كونه لم يصرح باسمه وكذلك حكى الإمام المقالة عن بعض الأصحاب قبيل باب الصداق ولم يصرح باسم القفال أيضا فمن أعجب العجب تصريح القفال بمقالة فى كلامه أطنب فيها فى شرح الفروع ثم لا يحكيها عنه الحاكون للقليل والكثير فى كلامه الحريصون على البعيد والقريب من أنفاسه العارفون بغالب حركاته فى الفقه وسكناته

وهذه عبارته فى شرح الفروع إذا تزوج نصرانى صغيرة ابنة كتابيين فأسلم أحد الأبوين انفسخ نكاحها لأنها غير مدخول بها وحكم لها بالإسلام لإسلام أحد الأبوين

ثم قال صاحب الكتاب لا مهر لها على الزوج لأن الزوج لم يكن سببا فى الفسخ

وهذا غلط وهو لا يزال يسلك هذه الطريقة بل يجب أن يقال إذا لم يحصل الفسخ من جهة المرأة فلها المهر سواء جاء الفسخ من جهة الزوج أو من جهة غيره انتهى

ثم ذكر دليله على ذلك وسنذكره

ولم يحك القاضى أبو الطيب فى شرح الفروع عن القفال هنا شيئا وإنما عزا هذه المقالة إلى بعض أصحابنا كما فعل الشيخ أبو على والإمام رحمهما الله تعالى

والقاضى أبو الطيب فى أوسع العذر فإنه أكبر من أن يحكى مقالات القفال وحكايته فى مسألة الميراث عنه مما يستغرب وإنما العجب إغفال الشيخ أبى على والإمام ذكر القفال الذى قاله فى كتابه وحكاه عنه قاضى العراق فيالله العجب عراقى يحكى مقالة خراسانى لا يحكيها أصحابه عنه مع ثبوتها عليه وهذا عندى من عقد المنقولات

وهذه المسألة لم يصرح بها الرافعى فى كتابه وإنما جرم فى باب المتعة فى ذمية صغيرة تحت ذمى أسلم أحد أبويها فانفسخ النكاح أنه لا متعة كما لو أسلمت بنفسها وهذا يوافق ما رجحه فى مسألة الميراث ويستمر على منوال واحد فى وفاق القفال

ومنها إذا أسلم على أم وبنتها ولم يدخل بواحدة منهما تعينت البنت واندفعت الأم على الصحيح بناء على صحة أنكحتهم

وفى قول يتخير

ثم قال ابن الحداد إن خيرناه فللمفارقة نصف المهر لأنه دفع نكاحها بإمساك الأخرى وإن قلنا تتعين البنت فلا مهر للأم لاندفاع نكاحها بغير اختياره

وقال القفال فى شرح الفروع ما نصه وقد قال الشيخ أبو زيد والشيخ أبو عبد الله الخضري وأصحابنا هذا خطأ على أصل الشافعي

وينبغي أن يكون الجواب على عكس ما قاله فى القولين جميعا عندى فإذا قلنا له الخيار فاختار احداهما فلا مهر للثانية وإن قلنا لا خيار ويمسك البنت ويفارق الأم فلها المهر

والحال فى تقرير هذا ونقله عنه تلميذه الشيخ أبو على في شرح الفروع سماعا فقال وسمعت شيخى رضى الله عنه يقول الجواب على عكس ما ذكره صاحب الكتاب واندفع فى ذكر كلام القفال ولم يذكر أبا زيد ولا الخضرى فعرفت من ذلك أنه لم ينظر شرح شيخه على الفروع وإنما كانوا يتكلون على حفظهم وما يسمعونه من أفواه مشايخهم رضى الله عنهم

وكأن الرافعى اقتصر على النظر فى شرح الشيخ أبى على فإنه نقل المسألة عن القفال وغيره وأشار بقوله وغيره إلى ترجيحه ولو وقف على شرح القفال لأفصح بذكر أبى زيد والخضرى وقد نازعهم القاضى أبو الطيب الطبرى ورجح قول ابن الحداد وأطال وأطاب

والنزاع فى هذا الفرع عائد إلى الأصل المتقدم وربما زاد أن المنازع يدعى أن إسلامه سبب لاندفاع نكاح الأم فالفرقة من جهته ولعلنا نتكلم على ذلك فيما بعد

ومنها ردتهما معا لم يذكر الرافعى هذه المسألة إلا استطرادا فى باب نكاح المشركات أشار إلى الوجهين فيها وفيها ثلاثة أوجه

أحدها إضافة الفرقة إلى الزوج فيتشطر

والثانى إضافة الفرقة إليها لأنها أتت بالجناية التى لو انفردت سقط حقها فإذا انضم إليه جناية الغير لا يؤثر فى ذلك كما لو قال اقطع يدى فقطع وهما مشهوران

قال الرويانى والأول أظهر

والثالث حكاه الماوردى وتبعه الرويانى لها ربع المهر لاشتراكهما فى الفسخ فسقط من النصف نصفه لأنه فى مقابلة ردة الزوجة وبقى نصفه لأنه فى مقابلة ردة الزوج

والمسألة شهيرة ذكرها الأصحاب فى باب ارتداد الزوجين وهو باب عقدة الشافعى رضى الله عنه فى كتاب النكاح قبل باب طلاق المشرك وبعد نكاح المشركات والرافعى تبعا للغزالى لم يذكر هذا الباب بالكلية فمن ثم لم يستوعب مسائله

وذكر الرافعي أيضا ارتدادهما معا فى المتعة وصحح أنه لا متعة

واعلم أن الوجهين جاريان فى التشطير مشهوران فيه وإن لم يذكرهما الرافعى إلا استطرادا

وقال ابن الرفعة في باب نكاح المشركات إذا ارتد الزوجان معا قبل الدخول ففى تشطير المهر إحالة على ردته أو سقوط كله إحالة على ردتها وجهان مشهوران وربما يعزى الثانى منهما لابن الحداد

قلت وهو جار على أصله وإذا تأملت ما ذكرته علمت أن الفرقة قد تكون من جهته وقد تكون من جهتها وقد تكون من جهتهما وقد تكون لا من جهة واحد منهما أربعة أحوال لم يذكر الرافعى فى باب التشطير إلا الأولين فقط

فإن قلت قد قال فى باب التشطير موضع التشطير كل فرقة تحصل لا بسبب من المرأة وهذا يشمل ما إذا كانت لا بسبب منهما ثم مثل له بما إذا أرضعت أم الزوجة الزوج وهو صغير إلى آخر ما ذكره

قلت مسألة الرضاع سنتكلم عليها وقولى لا بسبب من المرأة إنما نعنى به إذا كانت من جهة الزوج بدليل قوله بعده أما إذا كان الفراق منها أو بسبب فيها

وبالجملة لا تصريح من الرافعى فى باب التشطير بهاتين الحالتين إنما أشار إليهما فى باب المتعة وفى باب نكاح العبد والأمة ولو جمع شمل النظائر فى فصل واحد كان أولى بل لم يصرح بمسألتين عظيمتين بين الأصحاب ردتهما معا هل تشطر وإن كان ذكر أنها هل تسقط المتعة وإسلام أبى الزوجة الصغيرة إذا انفسخ نكاحها هل يشطر وإن كان ذكر أنه هل يمتع

إذا عرفت هذا كله فقد تبين لك أن ابن الحداد يجعل الفرقة لا من واحد منهما مسقطة ملحقة بما إذا كانت من جهتها والقفال يخالفه ويجعلها مشطرة ملحقة بما إذا كانت منه

ثم يقول ابن الحداد ومن صور القاعدة أن يرث الزوج بعض زوجته وهذا تصوير لا يخالف فيه وإن أسلم على أم وبنتها وإن سلم فتتبعه الزوجة وهذان ينازع فيهما تصويرا كما ينازع فيهما حكما فيقال لم يكن إسلامه على أم وبنتها وإن قلنا يديم نكاح البنت وتندفع الأم فهى فرقة كائنة من جهته لأنه ربما صار بإسلامه وإسلامه تبعا لأنها فرقة كائنة من جهتها

ونحن نلخص القول فى المقامين أما المقام الأول وهو دعوى ابن الحداد أن الفرقة لا من واحد منهما ملحقة بالواقعة منها فيسقط فلم يحتج عليه بأكثر من أن الفسخ لم يكن من قبله بل هو قهرى أحب أو كره

وللقفال أن يقول له لم قلت إنه إذا لم يكن من قبله لا يلحق بما يكون من قبله فليس قولك لا يشطر لكونه ليس من قبله ما يبعد من قولنا يشطر لكونه ليس من قبلها بل التشطير معتضد بالأصل فإن الأصل بعد تسمية الصداق وجوبه فلا يسقط إلا النصف للفرقة قبل الدخول ويبقى النصف الآخر بالأصل ما لم يتحقق زواله بتحقق كونه من جهتها

واستشهد القفال لعدم سقوط النصف بمسألة الرضاع وغيرها فقال فى شرح الفروع مشيرا إلى قول ابن الحداد هذا عندى غلط بل الواجب أن يقال إذا انفسخ النكاح ولم تكن المرأة سببا فى الفسخ فلها المهر ألا ترى أن الرجل إذا تزوج امرأة وتزوج أبوه أمها فغلط الابن فوطئ امرأة الأب وهى أم امرأة الابن انفسخ نكاح امرأة الابن بوطء أمها بشبهة ووجب لها المهر لأنها لم تكن سببا للفسخ

وكذلك لو أن رجلا كان له امرأتان أحداهما كبيرة والأخرى صغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة انفسخ نكاح الصغيرة ووجب لها على الزوج نصف المهر وليس الزوج ها هنا سببا للفسخ إلا أن الفسخ لما لم يكن بسبب من المرأة وجب لها المهر

فكذلك فى مسألة الكتاب إذا تزوج جارية أبيه فمات أبوه وملكها انفسخ النكاح وعليه المهر لأن المرأة لم تكن سببا للفسخ إلا أن مسألة الرضاع تباين هذه المسألة من وجه وهو أن فى هذه المسألة إذا غرم المهر فليس له أن يرجع على الكبيرة بما غرم

والفرق بينهما أن موت الإنسان لا يكون باختياره ولا ينتمى إلى جناية فلذلك لا يغرم المهر وأما الكبيرة إذا أرضعت الصغيرة فإنها تنتمى إلى جناية فلذلك يغرم المهر حتى إنها لو أرضعت من غير أن تنسب فى الإرضاع إلى جناية سقط عنها الغرم أيضا مثل أن ترى الصغيرة ملقاة فى موضع لو لم ترضعها خيف عليها التلف ولم يكن بقربها من يتعهدها فأرضعتها انفسخ النكاح ولا غرم عليها لأنها لا تنسب إلى جناية فى إرضاعها إياها فصار ذلك كما لو دبت الصغيرة إلى ثدى الكبيرة فارتضعت وهى نائمة انفسخ النكاح ولا غرم عليها وعلى الزوج المهر وإنما لم يجب المهر فى هذه المسألة لوجود فعل من الكبيرة وسبب من الصغيرة فيجب المهر إذا مات الأب فملك جاريته المنكوحة إذا لم يحصل منها سبب فى الفسخ انتهى كلام القفال

ثم أعاد نظره بعد ورقات فى مسألة ما إذا أسلم أبو الصغيرة وعزا ما ذكره من أنه لا يجب الغرم على كبيرة أرضعت صغيرة وقت الضرورة إلى أصحابنا فقال قال أصحابنا وذكر المسألة وهى مسألة حسنة غريبة لا أعتقدها مسلمة وقد عرفت ما ذكره وحاصله الاستشهاد على ما ادعاه بمسألة الرضاع

وقال القاضى أبو الطيب الطبرى هذا الذى قال أبو بكر القفال واضح ومن قال بقول صاحب الكتاب فإنه يقول إذا كان الفسخ بالشرع سقط حقها ألا ترى إذا تزوجها وكان النكاح فاسدا بالشرع وجب أن يفرق بينهما ولا حق لها إذا كان قبل الدخول بها لأن التحريم والفسخ بالشرع فكذلك ها هنا

فإن قيل إذا كان النكاح فاسدا فإن المهر لم يجب

قيل له إنما لم يجب لأن التحريم والفسخ بالشرع وهذا المعنى موجود ها هنا

ويخالف هذا ما ذكره من وطء الأب وإرضاع الكبيرة لأن ذلك ليس من جهة الشرع وإنما هو بفعل آدمى يتعلق به الضمان ولهذا نقول إن الزوج يرجع على الأب بنصف المهر وكذلك يرجع على المرضعة فسقط ما قاله انتهى كلام القاضى أبى الطيب ثم أعاد مثله فيما بعد

وأقول لا حاجة إلى استشهاده بالنكاح الفاسد وفيما ذكره من الفرق كفاية فلابن الحداد أن يقول إنما أقول بالسقوط فى موجب شطر يقر قراره على الزوج أما ماله مرد وما الزوج فيه إلا طريق فلا أمنعه وهذا فرق واضح ويكون عنده هكذا الفرقة الواردة لأمر منهما إذا آلت إلى تغريم الزوج شطرا لا يرفع به لا يوجب عليه شيئا بخلاف ما إذا لم يكن إلا طريقا فحسب فهذا ملخص الكلام على أصل القاعدة وهى مصورة تصويرا واضحا فى مسألة الميراث

أما إسلام الأب فتتبعه الزوجة أو إسلام الكافر على أم وبنتها فمن قال كل فرقة لا ترد من جهة المرأة تشطر سواء أوردت من جهة الزوج أم لم تنسب إلى واحد منهما وهو القفال وقبله أبو زيد والخضرى وبعده الرافعى فيما يظهر ومن تبعه فيقول بالتشطير لا محالة وأما من قال بقول ابن الحداد إن كل فرقة لا ترد من جهة الرجل تسقط سواء أوردت من جهة المرأة أم لم تنسب لواحد منهما فقد نقول فى هاتين المسألتين إنها فرقة لا من جهة واحد منهما ويحكم بالسقوط وبذلك صرح ابن الحداد وقد نقف وندعى أنها فرقة من جهتها فمن ثم يقال لابن الحداد اذهب إنا نسلم ما تدعيه من الأصل لكن لا نسلم أن الفرقة فى هاتين الصورتين لا من واحد منهما بل هى منها

واعلم أن مسألة إسلام الرجل على أم وابنتها قد أفصح القفال فيها بتغليط ابن الحداد وزعم أنه عكس التفريع فإنه قال إن قلنا باستمرار نكاح البنت كما هو الصحيح سقط نكاح الأم بناء على أصله أنها فرقة وردت بالشرع قهرية فلا تشطر وإن قلنا يتخير فالمفارقة منسوب إليه اختيار فراقها فقال القفال ومتابعوه بل الأمر بالعكس بل الجواب على عكس ما ذكره إن قلنا بصحة أنكحتهم فقد أفسدنا نكاح الأم بكل حال للعقد على البنت وحينئذ ففسخ النكاح إنما وقع بإسلامه وإسلامها جميعا والفسخ إذا وقع قبل الدخول بسبب يشترك فيه الزوجان يجب المهر كما لو تخالعا فلا يسقط المهر بل يتشطر وتجب المتعة

وأما على القول الذى يقول يمسك أيتهما شاء فإذا أمسك إحداهما جعل الثانية كأن لم ينكحها قط فلا مهر ولا متعة ويجوز لابنه أن يتزوج بها ويكون بمنزلة من لم يعقد عليها هذا حاصل ما ذكره

وقال القاضى أبو الطيب الطبرى منتصرا لابن الحداد وهذا ليس بصحيح لأنه على القولين جميعا جعل الاختيار إليه والوصلة والفرقة إلى إرادته فمن اختارها من أكثر من أربع ومن المرأة وعمتها أو خالتها فنكاحها صحيح ومن فارقها منهن وقلنا إنها بمنزلة من لم يعقد عليها فإنما يصير بهذه المنزلة باختياره وقد كان يمكنه أن يقيم على نكاحها باختياره إياها فأوجب عليه نصف المهر بذلك وأجرى مجرى المطلق لهذه العلة ويفارق المنكوحة نكاحا فاسدا فى الإسلام فإنه يجب أن يفرق بينهما ولا اختيار له فيها فبان الفرق بينهما

هذا كلام القاضى أبى الطيب وهو محتمل جيد يحتمل أن يقال عدم إمساكه الواحدة مع قدرته ولكن الشارع له من إمساكها بمنزلة طلاقها ويحتمل ألا يقال به

وما أظن ابن الرفعة وقف على كلام القاضى أبى الطيب هذا فإنه ذكر نحوه بحثا لنفسه ولو وقف عليه لاستظهر به فإن ابن الرفعة قال فى باب نكاح المشركات فيما إذا أسلم على أختين وطلق كل واحدة ثلاثا وقد نقل عن ابن الحداد التخيير بينهما مع كونه يميل فى أنكحة الكفار إلى الوقف وأن مقتضاه ألا يجب مهر وقد حكى عنه الرافعى إيجاب المهر وأن قول الوقف يناسبه ألا يجب مهر

قال ابن الرفعة قد يكون مأخذ ابن الحداد فى إيجاب المهر للمندفعة وإن بان فساد النكاح فيه كونه عينها للفراق مع صلاحيتها للبقاء باختياره الأخرى مع أنه لا ترجيح ومثل ذلك وإن كان جائزا فيناط به الإيجاب على رأى بعض الأصحاب فيما إذا أفاق المجنون أو طهرت الحائض وقد بقى من الوقت ما يتسع لها أو للظهر فقط أو بقى منه ما يدرك به العصر وهو ركعة فإنا نلزمه الظهر والعصر بإدراك أربع ركعات على رأى صاحب الإفصاح وبإدراك ركعة فقط على رأى غيره وهو الذى قيل إنه المصحح فى المذهب وكل ذلك مع قولنا إنه لو أدرك دون ذلك لا يكون به مدركا لواحدة من الصلاتين وإذا تأملت ذلك وجدت إلزامه للصلاتين بما يلزمه به إحداهما إنما هو لأن كل واحدة منهما تقبل أن توقع فى ذلك الوقت على البدل لا مع المعية فكذا فيما نحن فيه جاز أن يتعلق الإيجاب بالقبولية على البدل وإن لم يمكن الجمع ويصح هذا المأخذ إن كان يقول بأنه إذا أسلم على أكثر من أربع وأسلمن معه أنه يجب للمندفعات باختياره لغيرهن الشطر فإن لم يقل به فلا تمام والظاهر أنه يقول به انتهى

وما ذكره من أنه قد يكون مأخذ ابن الحداد قد عرفت أن القاضى أبا الطيب قاله وللبحث فيه مجال قد يقال تعيين الفراق فيمن له أن يعين فيها البقاء بمنزلة الطلاق وقد يقال بل إذا جعل له ذلك فقد جعل له أن يعين فيها انتفاء للزوجية بالكلية فمن أين المهر فليتأمل فى ذلك فإنى لم أشبعه بحثا

115 محمد بن أحمد بن مت أبو بكر الإشتيخنى

‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

116 محمد بن أحمد بن يحيى الفقيه أبو نصر

‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

117 محمد بن أحمد المروزى الإمام الكبير أبو عبد الله الخضرى نسبة إلى الخضر رجل من جدوده

إمام مرو وشيخها وحبرها ومقدم الأصحاب بها وهو ختن أبى على الشنوى حدث عن القاضى أبى عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملى وغيره

وعقد مجلس الإملاء والتدريس

وتفقه عليه جماعة منهم الأستاذ أبو على الدقاق والفقيه حكيم بن محمد الذيمونى

وكأنه كان صاحب مال وثروة يدل عليه ما حكيناه عن القاضى عن القفال فى ترجمة أبى زيد

وكان فيما أحسب من أقران الشيخ أبى زيد وما أرى القفال إلا من المتفقهة عليه وطالما قال القفال سألت أبا زيد وسألت الخضرى

وقال القاضى فى التعليقة فى مسألة هل يقلد المراهق فى القبلة قال القفال سألت أبا زيد عن ذلك فقال نص الشافعى على أنه يجوز تقليد المراهق ثم سألت أبا عبد الله الخضرى عن ذلك فقال لا يجوز نصا فأخبرته بقول أبى زيد فقال أنا لا أتهمه فى ذلك ويحتمل أن الشافعى أراد بذلك النص إذا دله على المحراب فإنه يجوز وبالنص الثانى أن يخبره بجهة القبلة أو يقول رأيت القطب من هذا الجانب فإنه يأخذ بقوله ويصلى إلى تلك الجهة وليس هذا بتقليد له لأنه لما أخبره ولا يخبره إلا عن تحر واجتهاد صار هذا كالعالم أم عاميا فى مسألة واحدة فإن أفتاه بنص من كتاب الله أو سنة يجوز له أن يفتى غيره وإن أفتاه بالاجتهاد لا يجوز بذلك الاجتهاد

قلت الصحيح أنه لا يجوز تقليد الصبى وهو النص الذى حكاه الخضرى والفرع مشهور

وفيما نقل من خط الشيخ أبى محمد الجوينى عن شيخه القفال إذا تزوج امرأة على ظن أنها حرة فإذا هى أمة فالنكاح صحيح وولده منها رقيق وإن كان يطؤها على توهم الحرية إذ التوهم حديث النفس فلا يغير حكما

قيل للشيخ يعنى القفال لو أن رجلا وطئ أمة بالشبهة يتوهم أنها امرأته فقال كان الشيخ أبو عبد الله الخضرى يقول إن كانت امرأته حرة فولده من هذه الأمة حر وعليه القيمة وإن كانت امرأته أمة فولده من الموطوءة بالشبهة مملوك على حسب القصد والنية

قال الرويانى فى البحر فى كتاب النكاح وهذا حسن ذكره فى باب الزنا لا يحرم الحلال

قلت وقد أشار الأصحاب إلى هذا فى باب عتق أمهات الأولاد فقالوا إذا استولد أمة الغير بشبهة ثم ملكها فينظر إن وطئها على ظن أنها زوجته المملوكة فالولد رقيق ولا يثبت الاستيلاء أو أنها زوجته الحرة أو أمته فالولد حر وفى ثبوت الاستيلاد قولان

118 محمد بن إبراهيم بن المنذر الإمام أبو بكر النيسابورى

نزيل مكة أحد أعلام هذه الأمة وأحبارها

كان إماما مجتهدا حافظا ورعا

سمعت الحديث من محمد بن ميمون ومحمد بن إسماعيل الصائغ ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم

روى عنه أبو بكر ابن المقرئ ومحمد بن يحيى بن عمار الدمياطى شيخ الطلمنكى والحسن بن على بن شعبان وأخوه الحسين وآخرون

وله التصانيف المفيدة السائرة كتاب الأوسط وكتاب الإشراف فى اختلاف العلماء وكتاب الإجماع والتفسير وكتاب السنن والإجماع والاختلاف

قال شيخنا الذهبى كان على نهاية من معرفة الحديث والاختلاف وكان مجتهدا لا يقلد أحدا

قلت المحمدون الأربعة محمد بن نصر ومحمد بن جرير وابن خزيمة وابن المنذر من أصحابنا وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعى المخرجين على أصوله المتمذهبين بمذهبه لوفاق اجتهادهم اجتهاده بل قد ادعى من هو بعد من أصحابنا الخلص كالشيخ أبى على وغيره أنهم وافق رأيهم رأى الإمام الأعظم فتبعوه ونسبوا إليه لا أنهم مقلدون فما ظنك بهؤلاء الأربعة فإنهم وإن خرجوا عن رأى الإمام الأعظم فى كثير من المسائل فلم يخرجوا فى الأغلب فاعرف ذلك واعلم أنهم فى أحزاب الشافعية معدودون وعلى أصوله فى الأغلب مخرجون وبطريقه متهذبون وبمذهبه متمذهبون

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى توفى ابن المنذر سنة تسع أو عشر وثلاثمائة

قال شيخنا الذهبى وهذا ليس بشيء لأن محمد بن يحيى بن عمار لقيه سنة ست عشرة وثلاثمائة

ومن المسائل والغرائب عن ابن المنذر

ذهب إلى أن المسافر يقصر الصلاة فى مسيرة يوم تام كما قال الأوزاعى

واعلم أن عبارات الشافعى رضى الله عنه فى حد السفر مضطربة وقال الأصحاب على طبقاتهم الشيخ أبو حامد والماوردى والإمام وغيرهم المراد بها شيء واحد لا يختلف المذهب فى ذلك وأن السفر الطويل مرحلتان فصاعدا وما قاله ابن المنذر خارج عن المذهب

وقيد كون إذن البكر فى النكاح صماتها بما إذا علمت قبل أن تستؤذن أن إذنها صماتها وهذا حسن

وقال إن الزانى المحصن يجلد ثم يرجم

وأنه لا تجب الكفارة فى قتل العمد

وأن الخلع لا يصح إلا فى حالة الشقاق

ونقل فى الإشراف عن الشافعى أنه قال فيمن سافر لمسافة القصر ثم رجع إلى داره لحاجة قبل أن ينتهى إلى مسافة القصر إن الأحب له أن يتم وإن جاز القصر

وهذا غريب والمعروف فى المذهب إطلاق القول بأن القصر أفضل وكأن الشافعى رضى الله عنه استثنى هذه الصورة للخروج من خلاف العلماء فقد قال سفيان الثورى وغيره فيمن رجع لحاجة عليه أن يتم

قال أبو بكر فى كتاب الإشراف ما نصه ذكر الإمام يخص نفسه بالدعاء دون القوم ثبت أن رسول الله كان يقول إذا كبر فى الصلاة قبل القراءة ‏(‏ اللهم باعد بينى وبين خطيئتى كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلنى من خطاياى بالثلج والماء والبرد ‏)‏ قال أبو بكر وبهذا نقول

وقد روينا عن مجاهد وطاوس أنهما قالا لا ينبغى للإمام أن يخص نفسه بشيء من الدعوات دون القوم وكره ذلك النووى والأوزاعى وقال الشافعى لا أحب ذلك انتهى

وإنما نقلته بحروفه لأن بعض الناس نقل عنه أنه نقل فى هذا الفصل عن الشافعى أنه لا يحب تخصيص الإمام نفسه بالدعاء بل يأتى بصيغة الجمع فى نحو اللهم باعد بينى وبين خطيئتى الحديث وهذا لا يقوله أحد بل الأدعية المأثورة يؤتى بها كما وردت فإذا كانت صيغة إفراد لم يستحب للإمام أن يأتى بصيغة الجمع ولا ينبغى له ذلك وإنما الخير كل الخير فى الإتيان بلفظ رسول الله

وأما أنه يستحب للإمام ألا يخص نفسه بالدعاء فهو أثر ذكره أصحابنا لكن معناه فى غير الأدعية المأثورة وذلك بأن يستفتح لنفسه دعاء فيفرد نفسه بالذكر وأبو بكر إنما صدر بالحديث استشهادا لما يقوله من جواز التخصيص فقال قد خصص النبى نفسه بهذه الكلمات التى ذكرها فى موضع لا تأمين فيه للمأمومين وليس مراده أن من ذكره يخالف رسول الله فى ذلك معاذ الله وإنما حاصل كلامه أن التخصيص جائز فى غير المأثور بدليل ما وقع فى المأثور وأن كره التخصيص أن يجيب بأنه إنما خصص نفسه حيث يسر بالدعاء ولا تأمين للقوم فيه نقل ابن المنذر خلافا بين الأمة فى جواز إطعام فقراء أهل الذمة من الأضحية قال رخص فيه الحسن وأبو حنيفة وأبو ثور وقال مالك غيره أحب إلينا وكره مالك أيضا إعطاء النصرانى جلد الأضحية أو شيئا من لحمها وكرهه أيضا الليث فإن طبخ لحمها فلا بأس بأكل الذمي مع المسلمين منه

هذا كلام ابن المنذر ونقله عنه النووى فى شرح المهذب وقال لم أر لأصحابنا كلاما فيه

قال ومقتضى المذهب جواز إطعامهم من أضحية التطوع دون الواجبة

قلت نقل ابن الرفعة فى الكفاية أن الشافعى قال لا يطعم منها يعنى الأضحية أحدا على غير دين الإسلام وأنه ذكره فى البويطى

قول المريض لفلان قبلى حق فصدقوه

قال ابن المنذر فى كتاب السنن والإجماع والاختلاف وهو كتاب مبسوط حافل فى أواخر باب الإقرار منه ما نصه وإن قال لفلان قبلى حق فصدقوه فإن صدقه الورثة بما قال فإن النعمان قال أصدق الطالب بما بينه وبين الثلث أستحسن ذلك فإن أقر بدين مسمى مع ذلك كان الدين المسمى أولى بماله كله ولو لم يقر بدين مسمى وأوصى بوصية كانت أولى بالثلث من ذلك الإقرار أيضا فى قوله وإذا قال المريض فى مرضه الذى مات فيه لفلان على حق فصدقوه فيما ادعى فادعى مالا يكون أكثر من الثلث فإنه لا يصدق وله أن يحلف الورثة على علمهم فإن نكلوا عن اليمين قضيت له بذلك ولو حلفوا قضيت له بالثلث هذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد

قال أبو بكر والذى نقول به فى هذا أن المدعى يصدق فيما ادعى إذا أقر المريض بتصديقه وذلك أن الرجل إذا ادعى عليه قال وقال المريض صدق يؤخذ به فكذلك إذا قال صدقوه أو هو صادق فيما ادعى كان هذا إقرارا منه قد عقده انتهى لفظه

قلت وهو فرع تعم به البلوى والنقل فيه عزيز يقول المرء فى مرض موته مهما ادعى به فلان فصدقوه أو فهو صادق أو له على شيء لا أتحقق قدره فمهما عين فهو صدوق أو يقول المرء كل من ادعى على بعد موتى فأعطوه ما يدعيه ولا تطالبوه بالحجة والذى تحرر لى بعد النظر فى هذا الألفاظ أنه تارة يعين المرء بشخصه كما فى الصور الأول وتارة يعمم كما فى الصورة الأخيرة ولا يخفى أن كونه إقرارا فى الصور الأول أولى من الأخيرة فإن عين فتارة يقول مهما ادعى به فهو صادق أو فهو صحيح أو حق وتارة يقول مهما ادعى به فصدقوه وتارة يقول مهما ادعى به فأعطوه وكونه إقرارا فى الأول أولى من الثانية وفى الثانية أولى من الثالثة والذى يظهر فى الثالثة أنه وصية كما فى الصورة الأخيرة

وقد صرح بالصورة الأخيرة صاحب البحر فقال فى باب الوصايا ما نصه إذا قال كل من ادعى على بعد موتى فأعطوه ما يدعيه ولا تطالبوه بالحجة فادعى اثنان بعد موته حقين مختلفى المقدار ولا حجة لواحد منهما كان ذلك كالوصية تعتبر من الثلث وإذا ضاق عن الوفاء قسم بينهما على قدر حقيهما الذى يدعيانه كالوصايا سواء انتهى

وأما إذا قال إذا ادعى فلان أو كل ما يدعى به فلا يشك أنه أولى بالصحة من التعميم فى قوله كل من ادعى

ثم قد يقول فأعطوه وقد يقول فصدقوه وقد يقول فهو صادق فإن قال فأعطوه فيظهر أنه وصية وإن قال فصدقوه فقد رأيت قول ابن المنذر أنه إقرار وظاهر كلامه أنه يصدق فى كل ما يدعيه وإن زاد على الثلث وعلى ما يعينه الوارث حتى لو ادعى جميع المال يصدق

وهذا احتمال رأى أبى على الثقفى من أصحابنا نقله عنه القاضى أبو سعد فى كتاب الإشراف وتبعه القاضى شريح فى أدب القضاء فقال ما نصه إذا قال ما يدعيه فلان فصدقوه قال الثقفى يحتمل أن يصدق فى الجميع وقال الزجاجى هو إقرار مجهول يعينه الوارث قال أبو عاصم العبادى هذا أشبه بالحق انتهى

وإن قال فهو صادق فقد رأيت قول ابن المنذر أيضا ولا يشك أنها أولى بالإقرار من قوله فصدقوه

فإن قلت هل للمسألة شبه بما إذا قال إن شهد على فلان بكذا أو شاهدان بكذا فإنهما صادقان فإن الأصحاب ذكروا فى باب الإقرار أنه إقرار وإن لم يشهدا على أظهر القولين وإن قال إن شهدا صدقهما فليس بإقرار قطعا

قلت هى مفارقة لها من جهة أنه عين هنا المشهود به كما عين الشاهد فقال إن شهد بكذا وفيما نحن فيه لم يعين المشهود عليه بل عممه أو جهله فمن ثم لم يلزم من جعله مقرا فى هذه جعله مقرا فى تلك ومن ثم يكون مقرا فى هذه فى الحال ولا يتوقف على شهادة فلان وفى مسألتنا لابد من الدعوى ليتحقق ما قاله

وقد وقع فى المحاكمات رجل قال جميع ما يدعى به فلان فى تركتى حق أو نحو ذلك وأقر لمعين بشيء فادعى فلان بجميع ما وجد ومقتضى التصحيح أن يتحاصص هو والمعين المقر له بمعين كبينتين تزاحمتا ولكن لم أجسر على الحكم بذلك ووجدت النفس تميل إلى تقديم المعين بجميع ما عين له ولم أقدم على الحكم بذلك أيضا

وقول أبى حنيفة الذى نقله عنه ابن المنذر إن المسمى أولى يشهد لذلك وهو نظير قوله إن الإقرار بالدين فى الصحة يقدم على الإقرار به فى المرض وهو قول عندنا اتفق الأصحاب على خلافه

119 محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله أبو العباس السراج الثقفى مولاهم النيسابورى الحافظ

محدث خراسان ومسندها

سمع قتيبة وإبراهيم بن يوسف البلخى وإسحاق بن راهويه وأبا كريب ومحمد ابن بكار وداود بن رشيد وخلقا سواهم

روى عنه البخارى ومسلم وأبو حاتم الرازى وأبو بكر بن أبى الدنيا وهم من شيوخه وأبو العباس بن عقدة وأبو حاتم بن حبان وأبو إسحاق المزكى وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه والحسن بن أحمد المخلدى وأبو سهل الصعلوكى وأبو بكر بن مهران المقرى وخلائق آخرهم أبو الحسين الخفاف

وكان شيخا مسندا صالحا سعيدا كثير المال وهو الذى قرأ عن النبى ‏(‏ اثنتى عشرة ألف ختمة وضحى عنه اثنتى عشرة ألف أضحية وكان يركب حماره ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ‏)‏

وفيه يقول الأستاذ أبو سهل الصعلوكى السراج كالسراج

وقال الأستاذ أبو سهل أيضا حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق الأوحد فى فنه الأكمل فى وزنه

وقال أبو عمرو بن نجيد رأيت السراج ركب حماره وعباس المستملى بين يديه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يقول يا عباس غير كذا اكسر كذا

وقال أبو زكرياء العنبرى سمعت أبا عمرو الخفاف يقول للسراج لو دخلت على الأمير ونصحته

قال فجاء وعنده أبو عمرو فقال هذا شيخنا وأكبرنا وقد حضر لينتفع الأمير بكلامه

فقال السراج أيها الأمير إن الإقامة كانت فرادى وهى كذا بالحرمين وأما فى جامعنا فصارت مثنى مثنى وإن الدين خرج من الحرمين فإن رأيت أن تأمر بالإفراد

قال فخجل الأمير وأبو عمرو والجماعة إذ كانوا قصدوه فى أمر البلد فلما خرج عاتبوه فقال استحييت من الله أن أسأل أمر الدنيا وأدع أمر الدين

توفى السراج فى ربيع الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وله سبع وتسعون سنة

120 محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر إمام الأئمة أبو بكر السلمى النيسابورى

المجتهد المطلق البحر العجاج والحبر الذى لا يخاير فى الحجى ولا يناظر فى الحجاج جمع أشتات العلوم وارتفع مقداره فتقاصرت عنه طوالع النجوم وأقام بمدينة نيسابور إمامها حيث الضراغم مزدحمة وفردها الذى رفع العلم بين الأفراد علمه والوفود تفد على ربعه لا يتجنبه منهم إلا الأشقى والفتاوى تحمل عنه برا وبحرا وتشق الأرض شقا وعلومه تسير فتهدى فى كل سوداء مدلهمة وتمضى علما تأتم الهداة به وكيف لا وهو إمام الأئمة

كالبحر يقذف للقريب جواهرا ** كرما ويبعث للغريب سحائبا

مولده فى صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين

سمع من خلق منهم إسحاق بن راهويه ومحمد بن حميد الرازى ولم يحدث عنهما لكونه سمع منهما فى الصغر ولكن حدث عن محمود بن غيلان ومحمد بن أبان المستملى وإسحاق بن موسى الخطمى وعتبة بن عبد الله اليحمدي وعلى بن حجر وأبى قدامة السرخسى وأحمد بن منيع وبشر بن معاذ وأبي كريب وعبد الجبار بن العلاء ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن أسلم الزاهد والزعفرانى ونصر ابن على الجهضمى وعلى بن خشرم وغيرهم

وكان سماعه بنيسابور فى صغره وفى رحلته بالرى وبغداد والبصرة والكوفة والشام والجزيرة ومصر وواسط

روى عنه خلق من الكبار منهم البخارى ومسلم خارج الصحيح ومحمد ابن عبد الله بن عبد الحكم شيخه وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملى وإبراهيم بن أبى طالب وهؤلاء أكبر منه ويحيى بن محمد بن صاعد وأبو على النيسابورى وإسحاق بن سعد النسوى وأبو عمرو بن حمدان وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه وأبو بكر أحمد بن مهران المقرئ ومحمد بن أحمد بن على بن نصير المعدل وحفيده محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق وخلائق

ومن الأخبار عن حاله

قيل لابن خزيمة يوما من أين أوتيت العلم فقال قال رسول الله ‏(‏ ماء زمزم لما شرب له ‏)‏ وإنى لما شربت ماء زمزم سألت الله علما نافعا

وقيل له يوما لو قطعت لنفسك ثيابا تتجمل بها فقال ما أذكر نفسى قط ولى أكثر من قميصين

قال أبو أحمد الدارمى وكان له قميص يلبسه وقميص عند الخياط فإذا نزع الذى يلبسه ووهبه غدوا إلى الخياط وجاؤا بالقميص الآخر

وقيل له يوما لو حلقت شعرك فى الحمام فقال لم يثبت عندى أن رسول الله دخل حماما قط ولا حلق شعره إنما تأخذ شعرى جارية لى بالمقراض

وقال أبو أحمد الدارمى سمعت ابن خزيمة يقول ما حللت سراويلى على حرام قط

وقال أبو بكر بن بالويه سمعت ابن خزيمة يقول كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد فحدث عن أبيه بحديث وهم فى إسناده فرددته عليه فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضى قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة فلم يقدر واحد منا أن يرده عليه فقلت له لا يحل لى أن أسمع حديثا لرسول الله فيه خطأ أو تحريف فلا أرد

قال الحاكم سمعت أبا عمرو بن إسماعيل يقول كنت فى مجلس ابن خزيمة فاستمدنى مدة فناولته بيسارى إذ كانت يمينى قد اسودت من الكتابة فلم يأخذ القلم وأمسك فقال لى بعض أصحابه لو ناولت الشيخ بيمينك فأخذت القلم بيمينى فناولته فأخذ منى

وقال أبو أحمد الدارمى سمعت ابن خزيمة يحكى عن على بن خشرم عن إسحاق أنه قال أحفظ سبعين ألف حديث

قال أبو أحمد الدارمى فقلت له كم يحفظ الشيخ فضربنى على رأسى وقال ما أكثر فضولك ثم قال يابنى ما كتبت سودا فى بياض إلا وأنا أعرفه

مات ابن خزيمة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة

وفى مرثيته قال بعض أهل العلم

ياابن إسحاق قد مضيت حميدا ** فسقى قبرك السحاب الهتون

ما توليت لا بل العلم ولى ** ما دفناك بل هو المدفون

ومن أراد الإحاطة بترجمته فعليه بها فى تاريخ نيسابور للحاكم أبى عبد الله رحمه الله

ومن ثناء الأئمة عليه

قال القفال الشاشى سمعت أبا بكر الصيرفى يقول سمعت ابن سريج يقول ابن خزيمة يخرج النكت من حديث رسول الله بالمنقاش

وقال الربيع بن سليمان استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منا

وقال الحاكم سمعت محمد بن إسماعيل البكرى يقول سمعت ابن خزيمة يقول حضرت مجلس المزنى يوما وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد فقال السائل إن الله عز وجل وصف القتل فى كتابه صنفين عمدا وخطأ فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف وزدتم شبه العمد فذكر الحديث فقال له أتحتج بعلى بن زيد بن جدعان فسكت المزنى

فقلت لمناظره قد روى هذا الخبر غير على بن زيد

فقال ومن رواه غير على

قلت أيوب السختيانى وخالد الحذاء

قال لى فمن عقبة بن أوس

قلت عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة قد رواه عنه أيضا محمد بن سيرين مع جلالته

فقال للمزنى أنت تناظر أو هذا

فقال إذا جاء الحديث فهو يناظر لأنه أعلم بالحديث منى ثم أتكلم أنا انتهى قلت الشافعى رضى الله عنه لم يقتصر على رواية الحديث من طريق ابن جدعان بل رواه أيضا عن عبد الوهاب الثقفى عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة ابن أوس عن رجل من أصحاب النبى فذكر الحديث

وكذلك رواه هشيم وبشر بن المفضل ويزيد بن زريع عن خالد الحذاء

أخرجه النسائى من طريقهم إلا أن يزيد قال فيه يعقوب بن أوس ويعقوب وعقبة واحد

ثم حديث الشافعى عن على بن زيد أخرجه هكذا عن سفيان بن عيينة عن على بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن النبى قال ‏(‏ ألا إن فى قتيل عمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها ‏)‏

وهكذا + رواه النسائى وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة +

وأخرجه أبو داود من طريق عبد الوارث بن عبد الصمد عن على بن زيد كذلك ورواه عبد الرزاق عن معمر عن على بن زيد عن القاسم

قال عبد الرزاق كان مرة يقول القاسم بن محمد ومرة ابن ربيعة

ورواه حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن يعقوب السدوسى عن عبد الله بن عمرو به لم يذكر القاسم بن ربيعة هكذا ذكره ابن أبى حاتم فى كتاب العلل من طريق يزيد بن هارون وأسد بن موسى عن حماد بن سلمة

وذكره أيضا هو والدارقطنى من طريق موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة فقال فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص

قال ابن أبى حاتم قلت لأبى من يعقوب السدوسى قال هو يعقوب بن أوس ويقال عقبة بن أوس

وأما حديث أيوب السختيانى فأخرجه النسائى وابن ماجه من طريق شعبة عنه عن القاسم بن ربيعة الغطفانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص

وأما حديث خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس فقد عرفناك طريق الشافعى فيه والنسائى

ورواه أيضا أبو داود والنسائى وابن ماجه من طريق حماد بن زيد

وأبو داود أيضا من طريق وهيب بن خالد كلاهما عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص

ورواه النسائى أيضا من حديث خالد عن القاسم عن عقبة أن رسول الله فذكره مرسلا

ومن طريق حميد الطويل عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله فذكره مرسلا أيضا

فالحاصل فى الحديث الاختلاف فى أنه هل هو من مسند عبد الله بن عمر أو ابن عمرو وذلك لا يضر لأن الصحابة كلهم عدول ولا يبعد أن يكون الحديث عنهما جميعا وإليه ميل الحافظ المنذرى وأن ابن جدعان ممن سمعه إلى غير ذلك مما رأيت

وبسببه قضى ابن عبد البر باضطراب الحديث وحكم بأن عقبة بن أوس مجهول ولعل عرق العصبية للمالكية لحقه وإلا فليس عقبة بمجهول بل معروف روى عنه ابن سيرين كما ذكر ابن خزيمة

وروى عنه أيضا القاسم بن ربيعة وابن جدعان وقال فيه أحمد بن عبد الله العجلى بصرى تابعى ثقة ولم يتكلم فيه أحد بجرح

والقاسم بن ربيعة مشهور روى عنه جماعة ووثقة ابن المدينى وأبو داود وغيرهما وكان من العلماء المذكورين للقضاء

وغلط ابن جدعان فى اسم أبيه مرة أو مرارا لا يضر والإرسال لا ينافى الإسناد

والعمل على أن الحديث مسند صحيح لا قادح فيه وله شاهد أخرجه البيهقى من طريق الوليد بن مسلم عن ابن جريح عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله قال ‏(‏ وشبه العمد مغلظة ولا يقتل صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين القبيلة فيكون بينهم رميا بالحجارة فى عميا فى غير ضغينة ولا حمل سلاح ‏)‏ وهو من رواية أبى حاتم الرازى عن عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل ابن عبيد الله المخزومى وقد ذكره ابن حبان فى كتابه الثقات وباقى رواته من شيوخ الصحيحين

والرميا بكسر الراء والميم المشددتين وتشديد الياء أيضا وكذلك العميا على وزن الهجيرا والخصيصا وهى مصادر للمبالغة فى الرمى والعمى أى يعمى أمر القتيل

عدنا إلى شأن إمام الأئمة

قال الحاكم وسمعت الحسين بن الحسن يقول سمعت عمى أبا زكريا يحيى بن محمد بن يحيى التميمى يقول استلقينا الأمير أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد لما ورد نيسابور مع ابن خزيمة ومعنا أبو بكر بن إسحاق وقد تقدمنا أبو عمرو الخفاف ومعه جماعة من مشايخ البلد فيهم أبو بكر الجارودى فوصلنا إليه وأبو عمرو عن يمينه والجارودى عن يساره والأمير يتوهم أن الجارودى هو ابن خزيمة لأنه لم يكن قبل ذلك عرفهم بأعيانهم فلما تقدمنا إليه سلم ابن خزيمة عليه فلم يلتفت إليه الالتفات إلى مثله وكان أبو عمرو يساره وهو يحدثه إذ سأله عن الفرق بين الفىء والغنيمة فقال له أبو عمرو هذه من مسائل شيخنا أبى بكر محمد بن إسحاق

فاستيقظ الأمير مما كان فيه من الغفلة وأمر الحاجب أن يقدمه إليه واستقبله وعانقه واعتذر إليه من التقصير فى أول اللقاء ثم سأله ماالفرق بين الفىء والغنيمة فقال قال الله تعالى ‏{‏وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏}‏ ثم جعل يقول حدثنا وأخبرنا ثم قال قال الله عز وجل ‏{‏مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏}‏ وأخذ يقول حدثنا وأخبرنا

قال عمى وعددنا مائة ونيفا وسبعين حديثا سردها من حفظه فى الفىء والغنيمة

وقال محمد بن حبان التميمى ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق فقط

وقال أبو بكر محمد بن سهل الطوسى سمعت الربيع بن سليمان وقال لنا هل تعرفون ابن خزيمة قلنا نعم قال استفدنا منه أكثر مما استفاد منا

وقال دعلج سمعت أبا عبد الله البوشنجى يقول وأشار إلى أبى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة محمد بن إسحاق كيس وأنا لا أقول هذا لأبى ثور نقله الحاكم فى ترجمة البوشنجى

وقال أبو على الحسين بن محمد الحافظ لم أر مثل محمد بن إسحاق

قال وكان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارىء السورة

وقال الدارقطنى كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير

وحكى أبو بشر القطان قال رأى جار لابن خزيمة من أهل العلم كأن لوحا عليه صورة نبينا محمد وابن خزيمة يصقله فقال المعبر هذا رجل يحيى سنة رسول الله

وقال الحاكم فى علوم الحديث فضائل ابن خزيمة مجموعة عندى فى أوراق كثيرة ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء وله فقه حديث بريرة فى ثلاثة أجزاء

وعن عبد الرحمن بن أبى حاتم وسئل عن ابن خزيمة فقال ويحكم هو يسأل عنا ولا نسأل عنه هو إمام يقتدى به

قال محمد بن الفضل كان جدي أبو بكر لا يدخر شيئا جهده بل ينفقه على أهل العلم ولا يعرف صنجة الوزن ولا يميز بين العشرة والعشرين

وقيل إن ابن خزيمة عمل دعوة عظيمة ببستان جمع فيها الفقراء والأغنياء ونقل كل ما فى البلد من الأكل والشوا والحلوا

قال الحاكم وكان يوما مشهودا بكثرة الخلق لا يتهيأ مثله إلا لسلطان كبير

ومن المسائل والفوائد عن إمام الأئمة

ذهب إلى أن رفع اليدين ركن من أركان الصلاة نقله الحاكم فى ترجمة محمد ابن على العلوى أبي جعفر الزاهد عن أبى على محمد بن على بن محمد بن نصروية المقرىء عنه

وقال إن الجماعة شرط فى صحة الصلاة نقله الإمام وغيره

وإن من صلى خلف الصف وحده يعيد نقله الدارمى فى الاستذكار وغيره

قال أبو عاصم قال ابن خزيمة فى معنى قوله ‏(‏ إن الله خلق آدم على صورته ‏)‏ فيه سبب وهو أن النبى رأى رجلا يضرب وجه رجل فقال ‏(‏ لا تضرب على وجهه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته ‏)‏ قلت دعوى أن الضمير فى صورته عائد على رجل مضروب قاله غير ابن خزيمة أيضا ولكنه من ابن خزيمة شاهد +صحيح+ لما لا يرتاب فيه من أن الرجل

برىء عما ينسبه إليه المشبهة وتفتريه عليه الملحدة وبراءة الرجل منهم ظاهرة فى كتبه وكلامه ولكن القوم يخبطون عشواء ويمارون سفها

وممن ذكر من أصحابنا أن الضمير فى صورته عائد على رجل أبو على بن أبى هريرة فى تعليقه فى باب التعزير

121 محمد بن إسماعيل بن إسحاق بن بحر أبو عبد الله الفارسى البغدادى

مولده سنة تسع وأربعين ومائتين

روى عن أبى زرعة الدمشقى وعثمان بن خرزاذ وإسحاق بن إبراهيم الدبرى وبكر بن سهل الدمياطى وغيرهم

روى عنه الدارقطنى فأكثر وإبراهيم بن خرشيد قوله وأبو عمر بن مهدى مات سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة

122 محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الإمام الجليل المجتهد المطلق أبو جعفر الطبرى

من أهل آمل طبرستان أحد أئمة الدنيا علما ودينا

ومولده سنة أربع أو خمس وعشرين ومائتين

طوف الأقاليم فى طلب العلم

وسمع من محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب وإسحاق بن أبى إسرائيل وإسماعيل ابن موسى الفزارى وأبى كريب وهناد بن السرى والوليد بن شجاع وأحمد بن منيع ومحمد بن حميد الرازى ويونس بن عبد الأعلى وخلق سواهم

روى عنه أبو شعيب الحرانى وهو أكبر منه سنا وسندا ومخلد الباقرحى والطبرانى وعبد الغفار الحضينى وأبو عمرو بن حمدان وأحمد بن كامل وطائفة سواهم

وقرأ القرآن على سليمان بن عبد الرحمن الطلحى صاحب خلاد

ومن تصانيفه كتاب التفسير وكتاب التاريخ وكتاب القراءات والعدد والتنزيل وكتاب اختلاف العلماء وتاريخ الرجال من الصحابة والتابعين وكتاب أحكام شرائع الإسلام ألفه على ما أداه إليه اجتهاده وكتاب الخفيف وهو مختصر فى الفقه وكتاب التبصير فى أصول الدين

وابتدأ تصنيف كتاب تهذيب الآثار وهو من عجائب كتبه ابتدأ بما رواه أبو بكر الصديق رضى الله عنه كما صح عنده بسنده وتكلم على ل حديث منه بعلله وطرقه وما فيه من الفقه والسنن واختلاف العلماء وحججهم وما فيه من المعانى والغريب فتم منه مسند العشرة وأهل البيت والموالى ومن مسند ابن عباس قطعة كثيرة ومات قبل تمامه

وابتدأ بكتاب البسيط فخرج منه كتاب الطهارة فى نحو ألف وخمسمائة ورقة وخرج منه أكثر كتاب الصلاة وخرج منه آداب الحكام وكتاب المحاضر والسجلات وغير ذلك

قال الخطيب كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره فكان حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعانى فقيها فى أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين فى الأحكام ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور فى تاريخ الأمم والملوك وكتاب فى التفسير لم يصنف أحد مثله وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه فى معناه إلا أنه لم يتمه وله فى أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة

قال وسمعت على بن عبد الله عبد الغفار اللغوى المعروف بالسمسمانى يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم منها أربعين ورقة

قال وبلغنى عن الشيخ أبى حامد الإسفراينى أنه قال لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا أو كلاما هذا معناه انتهى

وذكر أبو محمد الفرغانى فى صلة التاريخ أن قوما من تلامذة محمد بن جرير حسبوا لأبى جعفر منذ بلغ الحلم إلى أن مات ثم قسموا على تلك المدة أوراق مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة

قلت وهذا لا ينافى كلام السمسمانى لأنه منذ بلغ لابد أن يكون مضت له سنون فى الطلب لا يصنف فيها

وذكر أن أبا العباس ابن سريج كان يقول محمد بن جرير الطبرى فقيه العالم

وذكر أن محمد بن جرير قال أظهرت فقه الشافعى وأفتيت به ببغداد عشر سنين وتلقنه منى ابن بشار الأحول أستاذ أبى العباس بن سريج

وروى أن أبا جعفر قال لأصحابه أتنشطون لتفسير القرآن قالوا كم يكون قدره فقال ثلاثون ألف ورقة فقالوا هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه

فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة

ثم قال هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا قالوا كم قدره فذكر نحوا مما ذكره فى التفسير فأجوبوه بمثل ذلك فقال إنا لله ماتت الهمم فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير

قال الحاكم سمعت أبا بكر بن بالويه يقول قال لى ابن خزيمة بلغنى أنك كتبت التفسير عن ابن جرير قلت نعم إملاء قال كله قلت نعم قال فى كم سنة قلت من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين قال فاستعاره منى ابن خزيمة ثم رده بعد سنين ثم قال نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة

وقال أبو على الطومارى كنت أحمل القنديل فى شهر رمضان بين يدى أبى بكر بن مجاهد لصلاة التراويح فخرج ليلة من ليالى العشر الأواخر من داره واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه وسار حتى انتهى فوقف على باب مسجد محمد بن جرير وابن جرير يقرأ سورة الرحمن فاستمع قراءته طويلا ثم انصرف فقلت له يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تستمع قراءة هذا فقال يا أبا على دع هذا عنك ما ظننت أن الله خلق بشرا يحسن أن يقرأ هذه القراءة

وذكر أن المكتفى الخليفة قال للحسن بن العباس أريد أن أوقف وقفا تجتمع أقاويل العلماء على صحته ويسلم من الخلاف قال فأحضر ابن جرير فأملى عليهم كتابا لذلك فأخرجت له جائزة سنية فأبى أن يقبلها فقيل له لابد من جائزة أو قضاء حاجة فقال نعم الحاجة أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشرط أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة فتقدم بذلك وعظم فى نفوسهم

قال أبو محمد الفرغانى صاحب ابن جرير أرسل العباس بن الحسن الوزير إلى ابن جرير قد أحببت أن أنظر فى الفقه وسأله أن يعمل له مختصرا فعمل له كتاب الخفيف وأنفذه فوجه إليه ألف دينار فلم يقبلها فقيل له تصدق بها فلم يفعل

وقال حسينك بن على النيسابورى أول ما سألنى ابن خزيمة قال كتبت عن محمد بن جرير قلت لا قال ولم قلت لأنه كان لا يظهر وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه فقال بئس ما فعلت ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم وسمعت منه

قلت لم يكن عدم ظهوره ناشيءا من أنه منع ولا كانت للحنابلة شوكة تقتضى ذلك وكان مقدار ابن جرير أرفع من أن يقدروا على منعه وإنما ابن جرير نفسه كان قد جمع نفسه عن مثل الأراذل المتعرضين إلى عرضه فلم يكن يأذن فى الاجتماع به إلا لمن يختاره ويعرف أنه على السنة وكان الوارد من البلاد مثل حسينك وغيره لا يدرى حقيقة حاله فربما أصغى إلى كلام من يتكلم فيه لجهله بأمره فامتنع عن الاجتماع به

ومما يدلك على أنه لم يمنع قول ابن خزيمة لحسينك ليتك سمعت منه فإن فيه دلالة أن سماعه منه كان ممكنا ولو كان ممنوعا لم يقل له ذلك وهذا أوضح من أن ننبه عليه وأمر الحنابلة فى ذلك العصر كان أقل من ذلك

قال الفرغانى كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه فى الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد فأما أهل العلم والدين فغير منكرين علمه وزهده فى الدنيا ورفضه لها وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة ولما تقلد الخاقانى الوزارة وجه إليه بمال كثير فأبى أن يقبله فعرض عليه القضاء فامتنع فعاتبه أصحابه وقالوا له لك فى هذا ثواب وتحيى سنة قد درست وطمعوا فى أن يقبل ولاية المظالم فانتهرهم وقال قد كنت أظن أنى لو رغبت فى ذلك لنهيتمونى عنه

وقال الفرغانى رحل ابن جرير من مدينة آمل لما ترعرع وسمح له أبوه بالسفر وكان طول حياته ينفذ إليه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان فسمعته يقول أبطأت عنى نفقة والدى واضطررت إلى أن فتقت كمى القميص فبعتهما

وقال ابن كامل توفى عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة ودفن فى داره برحبة يعقوب ولم يغير شيبه وكان السواد فى رأسه ولحيته كثيرا وكان أسمر إلى الأدمة أعين نحيف الجسم مديد القامة فصيحا واجتمع عليه من لا يحصيه الله تعالى وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب

من ذلك قول أبى سعيد بن الأعرابى

حدث مفظع وخطب جليل ** دق عن مثله اصطبار الصبور

قام ناعى العلوم أجمع لما ** قام ناعى محمد بن جرير

وقول ابن دريد

إن المنية لم تتلف به رجلا ** بل أتلفت علما للدين منصوبا

كان الزمان به تصفو مشاربه ** والآن أصبح بالتكدير مقطوبا

كلا وأيامه الغر التى جعلت ** للعلم نورا وللتقوى محاريبا

عجيبة تتضمن مسألة

إذا ادعى المقضى عليه أن القاضى حكم عليه بشهادة فاسقين قال ابن الرفعة فى المطلب فى باب الشهادة على الشهادة يجب على شاهد الفرع تسمية شهود الأصل خلافا لمحمد بن جرير الطبرى الذى أفهم كلام صاحب الإشراف عند الكلام فى دعوى المقضى عليه أن القاضى قضى عليه بشهادة فاسقين أنه من أصحابنا انتهى

وهذا كلام عجيب يوهم أن ابن جرير هذا غير ابن جرير الإمام المشهور صاحب الترجمة فإن فى هذا اللفظ تجهيلا عظيما للمسمى بهذا الاسم وابن جرير إمام شهير لا يخفى حاله على ابن الرفعة ولا من دونه وإنما قصد ابن الرفعة بهذا الكلام الإشارة إلى أنه وإن كان مجتهدا مطلقا معدود من أصحابنا بشهادة صاحب الإشراف فليلتحق قوله بهذا بالمذهب ويعد وجها فيه وهذا أيضا غير لائق بعلو قدر ابن الرفعة فابن جرير معدود من أصحابنا لا يمترى أحد فى ذلك ولو عد عاد ذكر ابن الرفعة له ولأقواله من أصحابنا لأكثر المعدود فلا طائل تحت كلامه هذا بل هو كلام موهم كان السكوت عنه أجمل بقائله وما حمله عليه إلا كثرة استحضاره لما بعد وما قرب وحيث ذكره فى المظنة فاستحضره من غير المظنة ولو أنه قال الذى اقتضى كلام صاحب الإشراف موافقة غيره من أصحابنا له على مقالته فى عدم سماع الدعوى على القاضى بأنه حكم بشهادة فاسقين لكان أحسن فإن موافقة غير ابن جرير من أصحابنا له تؤكد عد قوله من المذهب بخلاف ما إذا لم يوجد له موافق فإن النظر إذ ذاك قد يتوقف في إلحاق أقواله بالمذهب لأن المحمدين الأربعة ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر وإن كانوا من أصحابنا فربما ذهبوا باجتهادهم المطلق إلى مذاهب خارجة عن المذهب فلا نعد تلك المذاهب من مذهبنا بل سبيلها سبيل من خالف إمامه فى شيء من المتأخرين أو المتقدمين

وإنما قلت إن صاحب الإشراف ذكر موافقة غير ابن جرير له على عدم الدعوى بأنه حكم بشهادة فاسقين لأن عبارة الإشراف

فصل

إذا ادعى المقضى عليه أن القاضى قضى عليه بشهادة فاسقين

قال محمد بن جرير وغيره من أصحابنا لا ينبغى أن يفوق سهم هذه الدعوى نحو القاضى لأن فيه تشنيعا عليه وهو مستغن عن هذا التشنيع عليه بأن يقيم البينة على فسق الشهود ويفارق إذا ادعى على القاضى أنه أخذ منه الرشوة وفسرها وهى مال مبذول ليصير الحق باطلا والباطل حقا لأنه أمر خفى لا يمكنه إقامة البينة عليه دون الادعاء على القاضى فلما لم يكن مستغنيا عن الادعاء عليه جاز له الادعاء ليصون القاضى ماء وجهه فيرد المال عليه

وقال بعض أصحابنا دعوى الطعن على الشهود مسموعة على القاضي لأنه ربما يتعذر عليه إقامة البينة على فسق الشهود انتهى

وحكى بعده الوجهين المشهورين فى تحليفه إذا أنكر

فإن قلت الوجهان فى الدعوى عليه بشهادة فاسقين مشهوران

قلت كلا إنما المشهور الوجهان فى إحضاره إذا ادعى عليه هكذا أما أصل الدعوى فقال الرافعى إنهم متفقون على سماعها على الجملة وأنكر على الغزالى جعله الوجهين فى أصل الدعوى وكلام ابن جرير هذا صريح فى أن الدعوى لا تسمع ففيه تأييد عظيم للغزالى لا سيما مع اعتضاده بموافقة بعض الأصحاب بل غالبهم كما أشار إليه القاضى أبو سعد فإن فى قوله قال ابن جرير وغيره من أصحابنا مع قوله فى مقابله وقال بعض أصحابنا ما يعطى أن الجادة على قول ابن جرير على خلاف دعوى الرافعى الاتفاق نعم محل ذلك فصل الدعوى على القاضى المعزول من كتاب الأقضية لا باب الشهادة على الشهادة وقول ابن جرير لا يشترط تسمية شهود الأصل هو المختص بباب الشهادة على الشهادة فكان طريق ابن الرفعة إن لم يجد له من خلص الأصحاب متابعا أن يقول ولا متابع له لكنه من أصحابنا

123 محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى أبو عبد الله ابن بنت عبد الله ابن أبى القاضى

من علماء خوارزم من بيت العلم والزهد

قال صاحب الكافى كان رجلا حليما وقورا فاضلا رحل فى طلب العلم إلى العراق

وتفقه على أبى العباس ابن سريج فيما أظن

وسمع الحديث بها من محمد بن جرير الطبرى

تكلم يوما فى مسألة مع سعيد بن أبى القاضى فقال له يا أبا عبد الله لم يأن لك بعد قال فدخلت المنزل فأقمت فيه ستة أشهر حتى استظهرت كتاب المزنى ثم تكلمت فقال لى سعيد إيها الآن

توفى فى ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وثلاثمائة

ومن الفوائد عنه

قيل له الرجل السعيد فى دنياه يتمنى الولد ولا يتمناه فى الجنة فقال تمنى الناس أولادا فى الدنيا لحبهم فيها حتى إذا انقرضوا يبقى لهم نعيمهم ببقاء الولد وقد أمنوا الانقراض فى الجنة

ووقع سؤال فى زمانه عن بيع التراب على الأرض المسبلة فأفتى عامة الفقهاء بالمنع ورفعت الفتيا إليه فقال ما زاد فيها بعد الوقف يجوز بيعه فانتهوا لذلك ووافقوه

ذكر ذلك صاحب الكافى في تاريخ خوارزم

124 محمد بن جعفر بن محمد بن خازم الخازمى بالخاء المعجمة والزاى الفقيه أبو جعفر

من أهل جرجان تفقه على أبى العباس ابن سريج وروى عنه وعن أبى بكر عبد الله ابن أبى بكر ابن خيثمة

روى عنه على بن أحمد بن موسى الجرجانى وغيره

ويحكى أن أبا العباس ابن سريج قال ما عبر جسر النهروان أفقه من أبى جعفر ابن خازم

وقد اختصر الذهبى فى ترجمته جدا

توفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

125 محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد أبو حاتم بن حبان البستى التميمى

الحافظ الجليل الإمام

صاحب التصانيف الأنواع والتقاسيم والجرح والتعديل والثقات وغير ذلك

سمع الحسين بن إدريس الهروى وأبا خليفة والنسائى وعمران بن موسى وأبا يعلى والحسن بن سفيان وابن خزيمة والسراج وخلائق لا يحصون كثرة بخراسان والعراق والحجاز والشام ومصر والجزيرة وغيرها من الأقاليم

قال فى كتابه التقاسيم والأنواع لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية

روى عنه الحاكم ومنصور بن عبد الله الخالدى وأبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق السختيانى وأبو الحسن محمد بن أحمد بن هارون الزوزنى ومحمد بن أحمد بن منصور النوقانى وغيرهم

قال أبو سعد الإدريسى كان على قضاء سمرقند زمانا وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار عالما بالطب والنجوم وفنون العلم ألف المسند الصحيح والتاريخ والضعفاء وفقه الناس بسمرقند

وقال الحاكم كان من أوعية العلم فى الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال

ثم ذكر أنه قدم نيسابور مرتين ثم ولى قضاء نسا ثم قدم نيسابور ثالثة وبنى فيها خانكاه وقرئت عليه جملة من مصنفاته ثم عاد إلى وطنه سمرقند وكانت الرحلة إليه لسماع مصنفاته

وقال الخطيب كان ثقة نبيلا فهما

وقال ابن السمعانى كان أبو حاتم إمام عصره رحل فيما بين الشاش والإسكندرية

توفى ليلة الجمعة لثمان بقين من شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة رحمه الله

ذكر ما رمى به أبو حاتم وتبيين الحال فيه

قدمنا فى الطبقة الثانية فى ترجمة أحمد بن صالح المصرى أن مما ينبغى أن ينظر فيه ويتفقد وقت الجرح والتعديل حال العقائد فإنه باب مهم وقع بسببه كلام بعض الأئمة فى بعض لمخالفة العقيدة إذا تذكرت ذلك فاعلم أن أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروى الذى تسميه المجسمة شيخ الإسلام قال سألت يحيى بن عمار عن ابن حبان قلت رأيته قال وكيف لم أره ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن له كبير دين قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه من سجستان انتهى

قلت انظر ما أجهل هذا الجارح وليت شعرى من المجروح مثبت الحد لله أو نافيه وقد رأيت للحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائى رحمه الله على هذا كلاما جيدا أحببت نقله بعبارته قال رحمه الله ومن خطه نقلت يا لله العجب من أحق بالإخراج والتبديع وقلة الدين

وهذه نخب وفوائد عن الإمام أبى حاتم

ذكر فى صحيحه حديث أنس فى الوصال وقوله ‏(‏ إنى لست كأحدكم إنى أطعم وأسقى ‏)‏

ثم قال فى هذا الخبر دليل على أن الأخبار التى فيها ذكر وضع النبى الحجر على بطنه كلها أباطيل وإنما معناها الحجز لا الحجر والحجز هو طرف الإزار إذ الله عز وجل كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا مع عدم الوصال حتى احتاج إلى شد الحجر على بطنه وما يغنى الحجر عن الجوع

قلت فى هذا نظر وقد أخرج ابن حبان قبل هذا بأوراق يسيرة حديث ابن عباس خرج أبو بكر بالهاجرة ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ الحديث وفيه قول النبى ‏(‏ والذى نفسى بيده ما أخرجنى إلا الجوع ‏)‏ وفى الجوع أحاديث كثيرة والجوع لا يقتضى نقصا بل فيه رفعة لدرجاته العليا

والجمع بين ذلك وقضية الوصال أنه كانت له أحوال بحسب ما يختاره الله تعالى له ويرتضيه فتارة الجوع وتارة التقوية على الصوم وكل حال بالنسبة إليه فى وقتها أكمل وأولى هكذا كان خطر لى والذى أنا عليه الآن أنى لا أدرى من حاله فى الجوع شيئا والذى أعتقده أنه كان جوعا اختياريا لا اضطراريا وأنه كان يقدر على طرده عن نفسه إما بأن تنصرف عنه شهوة الطعام والشراب مع بقاء القوة بإذن الله وإما بتغذية الله المغنية له عن الطعام والشراب وإما بتناول الغذاء فقد كان النبى قادرا على ذلك

وسماعى مرات كثيرات من الشيخ الإمام الوالد رحمه الله وهو معتقدى أنه لم يكن فقيرا قط ولا كانت حالته حالة الفقراء بل كان أغنى الناس بالله وكان الله تعالى قد كفاه أمر دنياه فى نفسه وعياله ومعاشه

وأحفظ أن الشيخ الإمام رحمه الله أقام من مجلسه من قال كان النبى فقيرا قياما صعبا وكاد يسطو به وما نجاه منه إلا أنه استتابه واستسلمه

وكان رحمه الله يقول فى قوله ‏(‏ اللهم أحينى مسكينا ‏)‏ إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التى هى أن يجد ما لا يقع موقعا من كفايته وذكر ذلك فى باب الوصية من شرح المنهاج وسمعته منه كذا كذا مرات لا أحصى لها عددا

وكان رحمه الله يشدد النكير على من يعتقد ذلك والحق معه رضى الله عنه فإن من جاءت إليه مفاتيح خزائن الأرض وكان قادرا على تناول ما فيها كل لحظة كيف يوصف بالعدم ونحن لو وجدنا من معه مال جزيل فى صندوق من جوانب بيته لو سمناه بسمة الغناء المفرط مع العلم بأنه قد يسرق أو تغتاله غوائل الزمان فيصبح فقيرا فكيف لا يسمى من خزائن الأرض بالنسبة إليه أقرب من الصندوق إلى صاحب البيت وهى فى يده بحيث لا تتغير بل هو آمن عليها بخلاف صاحب الصندوق فما كان فقيرا من المال قط ولا مسكينا نعم كان أعظم الناس جوارا إلى ربه وخضوعا له وأشدهم فى أظهار الافتقار إليه والتمسكن بين يديه

ذكر أبو حاتم حديث قوائم المنبر رواتب فى الجنة وبوب عليه برجاء نوال الجنان بالطاعة عند منبر المصطفى

وحديث ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة وبوب عليه رجاء نوال المرء بالطاعة روضة من رياض الجنة إذا أتى بها بين القبر والمنبر

ثم قال حاصله أن الخطاب فى هذين الخبرين من باب إطلاق المسبب على السبب والمعنى أن المسلم يرجى له الجنة بتقربه عند هذين الموضعين

قال وهو كحديث منبرى على حوضى لرجاء المرء نوال الشرب من الحوض بطاعته فى ذلك الموضع وكحديث عائد المريض فى مخرفة الجنة وحديث الجنة تحت ظلال السيوف ونظائره كثيرة

أشار أبو حاتم إلى أن حج المرء بامرأته لتقضى فريضة حجها إذا لم يكن لها محرم غيره أفضل من جهاد التطوع وذكر حديث اكتتبت فى غزاة كذا وخرجت امرأتى حاجة فقال رسول الله ‏(‏ اذهب فحج بامرأتك ‏)‏

وأشار إلى أنه يستحب للملبى عند التلبية إدخال الأصبعين فى الأذنين لحديث كأنما أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه فى أذنيه له جوار إلى الله بالتلبية

126 محمد بن حسان بن محمد بن أحمد أبو منصور الفقيه القرشى ابن الأستاذ أبى الوليد النيسابورى

قال الحاكم كان من أفقه أصحاب أبيه الأستاذ أبى الوليد وكان يصوم صوم داود قريبا من ثلاثين سنة وسمع الحديث الكثير وصنف كتابا فى الرد على كتاب الرياضة

سمع أبا العباس محمد بن إسحاق وأبا العباس الماسرجسى والمؤمل بن الحسن وغيرهم

واستشهد وذاك أنه كان منصرفا من عيد الأضحى فرفسته دابة فوقع فى بئر وحمل إلى منزله وغشى عليه ثم توفى غداة يوم الأحد آخر أيام التشريق من سنة سبع وستين وثلاثمائة ودفن بجنب أبيه

كتب عنه الحاكم فى التاريخ

127 محمد بن الحسن بن إبراهيم الشيخ الإمام أبو عبد الله الختن الفارسى ثم الإستراباذى

أحد أئمة الأصحاب وعرف بالختن لأنه كان ختن الإمام أبى بكر الإسماعيلى

مولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة

قال الحاكم أحد أئمة الشافعيين فى عصره وكان مقدما فى الأدب ومعانى القرآن والقراءات ومن العلماء المبرزين فى النظر والجدل

سمع أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدى وأقرانه فى بلده وورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فأقام عندنا إلى آخر سنة تسع

وسمع أكثر كتب مشايخنا ثم دخل أصبهان فسمع مسند أبي داود من عبد الله بن جعفر وسمع من سائر المشايخ بها

ودخل العراق بعد الأربعين وأكثر

وكان كثير السماع والرحلة

قدم نيسابور سنة تسع وستين وأقم مدة وانتفع الناس بعلومه وحدث وحضر مجلس الأستاذ الإمام أبى سهل قلت وأكثر الرواية عن الأصم وعبد الله بن فارس وأبى بكر الشافعى وأبى القاسم الطبرانى ودعلج وغيرهم

وله شرح مشهور على تلخيص ابن القاص

وذكر الحاكم أنه جرت بينه وبين الأستاذ أبى سهل مناظرة فأغلظ له الأستاذ القول فخرج أبو عبد الله مستوحشا فكتب إليه الأستاذ أبو سهل

أعيذ الفقيه الحر من سطوة السخط ** مصونا عن الأنظار يجلبها الغلط

تضايق حتى لا يسوغ لفظة ** ويعتب من لفظ يفور على اللغط

أحاكمه فيه إليه محكما ** وأسأله عفوا لنادرة السقط

ومهما غدا وجه الصواب حفاظه ** فإن سداد الرأى يلزمه النمط

ونشرى لمطوى خلاف إمامنا ** وطيى لمنشوروفاء بما شرط

شددت على باغى الفساد ولم أدع ** عليه من الحب اليسير لمن لقط

على رمد جاء القريض مرمدا ** ورائقه بالبر قد يحمل السفط

قال الحاكم فأنشدنى أبو عبد الله جوابه عنها

جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط ** وعذر أتى سرا فأكد ما فرط

متى طالب الشيخ الفقيه بحقه ** وضيع حقا لى عليه فقد قسط

سبيلى إذا ضايقته فى العلوم أن ** يضايقنى فيها ولا يركب الشطط

وعدت أناديه التى خصنى بها ** فلا حاسب أحصى ولا كاتب ضبط

فمن أجلها فى داره إذ حضرتها ** سطا واعتدى فى القول والفعل واحتلط

فأى ملام يلحق الحر بعدها ** إذا هو من جيرانه أبدا قنط

هجرت اقتراض الشعر لما انقضى الصبا ** ولما رأيت الشيب فى عارضى وخط

ولولاه لا نثالت قواف محلها ** صدور ذوى الآداب لا فارغ السفط

وقال حمزة الجرجانى كان أبو عبد الله الختن من الفقهاء المذكورين فى عصره درس سنين كثيرة وتخرج به عدة من الفقهاء وكان له ورع وله أربعة أولاد أبو بشر الفضل وأبو النضر عبيد الله وأبو عمرو عبد الرحمن وأبو الحسن عبد الواسع وكان له إملاء من سنة سبع وسبعين إلى أن توفى بجرجان يوم عيد الأضحى سنة ست وثمانين وثلاثمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة

ومن الفوائد عنه

‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

128 محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الإمام أبو بكر الأزدى البصرى

نزيل بغداد

مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين

وتنقل فى جزائر البحر وفارس فى طلب اللغة والأدب وكان أبوه من رؤساء زمانه وأما هو فكان رأسا فى العربية وأشعار العرب

حدث عن أبى حاتم السجستانى وأبى الفضل العباس الرياشى وابن أخى الأصمعى وغيرهم

روى عنه أبو سعيد السيرافى وأبو بكر بن شاذان وأبو الفرج صاحب الأغانى وأبو العباس إسماعيل بن ميكال وغيرهم

قال أحمد بن يوسف الأزرق ما رأيت أحفظ من ابن دريد وما رأيته قرئ عليه ديوان قط إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له

وعن أبى بكر الأسدى قال كان يقال ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء

ولابن دريد قصيدة طنانة مدح بها الشافعى رضى الله عنه أولها

بملتفتيه للمشيب مطالع ** ذوائد عن ورد التصابى روادع

تصرفنه طوع العنان وربما ** دعاه الصبا فاقتاده وهو طائع

ومن لم يزعه لبه وحياؤه ** فليس له من شيب فوديه وازع

ومنها

لرأى ابن إدريس ابن عم محمد ** ضياء إذا ما أظلم الخطب صادع

إذا المعضلات المشكلات تشابهت ** سما منه نور فى دجاهن ساطع

أبى الله إلا رفعه وعلوه ** وليس لما يعليه ذو العرش واضع

ومنها

سلام على قبر تضمن جسمه ** وجادت عليه المدجنات الهوامع

لقد غيبت أكفانه شخص ماجد ** جليل إذا التفت عليه المجامع

وأما قصيدته الدريدية فقد سارت بها الركبان مدح بها عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبا العباس إسماعيل وأخاه

قال الحاكم فى ترجمة أبى العباس إسماعيل سمعت أبا منصور الفقيه يقول كنت باليمن سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فبينا أنا ذات يوم أسير بمدينة عدن إذ رأيت مؤدبا يعلم

مستأجرا له مقصورة ابن دريد وقد بلغ ذكر الميكالية فقال لى يا خراسانى أبو العباس هذا له عندكم عقب فقلت هو بنفسه حى فتعجب من هذا أشد العجب وقال أنا أعلم هذه القصيدة منذ كذا سنة

الإقواء فى الشعر

قال أبو سعيد السيرافى حضرت مجلس أبى بكر بن دريد ولم يكن يعرفنى قبل ذلك فجلست فأنشد أحد الحاضرين بيتين يعزيان لآدم عليه السلام

تغيرت البلاد ومن عليها ** فوجة الأرض مغبر قبيح

تغير كل ذى حسن وطيب ** وقل بشاشة الوجه المليح

فقال ابن دريد هذا الشعر قد قيل قديما وجاء فيه الإقواء

قال فقلت إن له وجها يخرجه عن الإقواء نصب بشاشة وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين فيكون بهذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز ثم رفع الوجه بإسناد قل إليه فيصير اللفظ وقل بشاشة الوجه المليح

قال فرفعنى حتى أقعدنى بجانبه

قلت وحاصله إنكار الجر ودعوى نصب بشاشة على التمييز وأن التنوين حذف منه للضرورة وأن الوجه مرفوع بالفاعلية والمليح على الصفة وهذا جيد لكن فيه دعاوى كثيرة وإذا كان الإقواء واقعا فى كلامهم والرواية بالجر فلا حاجة إلى هذا التكليف وقد جاء فى كلامهم

لا مرحبا بغد ولا أهلا به ** إذ كان ترحال الأحبة فى غد

زعم البوارح أن رحلتنا غدا ** وبذاك خبرنا الغراب الأسود

وقال عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلى من شعراء الإسلاميين

تعالوا أعينونى على الليل إنه ** على كل عين لا تنام طويل

ولا تخذلونى فى البكاء فإننى ** لكم عند طول الجهد غير خذول

ثم قال فيها

فويلى وعولى فرجوا بعض كربتى ** وإلا فإنى ميت بقليل

فإن كان هذا الشوق لابد لازما ** وليس لكم فيه الغداة حويل

قوله حويل أى ما أحتال فيه

وقال آخر

أحب أبا مروان من أجل تمره ** وأعلم أن اليمن بالمرء أوفق

ووالله لولا تمره ما حببته ** ولو كان أدنى من سعيد ومشرق

وأنشد الأصحاب منهم ابن الصباغ فى الشامل وقد ذكروا ما شاع عن عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما من تجويز نكاح المتعة أن شاعرا فى عصره قال

قالت وقد طفت سبعا حول كعبتها ** يا صاح هل لك فى فتوى ابن عباس

تقول هل لك فى بيضاء بهكنة ** تكون مثواك حتى يصدر الناس

غير أنى رأيت أبا العلاء المعرى فى رسالته التى سماها رسالة الغفران قد أنكر على ابن دريد إنشاد هذا الشعر على وجه الإقواء وذكر أن الرواية الصحيحة

وغودر فى الثرى الوجه المليح **

قال أبو العلاء والوجه الذى قاله أبو سعيد فى تخريجه شر من الإقواء عشر مرات وأطال فى هذا

وحكى أبو محمد بن جعفر البلخى فى كتابه أن أبا محمد يحيى بن المبارك اليزيدى النحوى سأل الكسائى عن قول الشاعر

ما رأينا خربا نقر عنه البيض صقر **

لا يكون العير مهرا ** لا يكون المهر مهر

فقال الكسائى يجب أن يكون المهر منصوبا على أنه خبر كان وفى البيت على هذا التقدير إقواء

وقال اليزيدى بل الشعر صواب لأن الكلام قد تم عند قوله لا يكون الثانية وهى مؤكدة للأولى ثم استأنف فقال المهر مهر ثم ضرب بقلنسوته الأرض وقال أنا أبو محمد

وكان بحضرة الخليفة فقال يحيى البرمكى أتكتنى بحضرة أمير المؤمنين والله إن خطأ الكسائى مع حسن أدبه لأحسن من صوابك مع سوء أدبك

فقال اليزيدى إن حلاوة الظفر أذهبت عنى التحفظ

ومما ينسب لابن دريد من الشعر

فنعم فتى الجلى ومستنبط الندى ** وملجأ مكروب ومفزع لاهث

غياث بن عمرو بن الحليت بن جابر بن ** زيد بن منصور بن حارث

129 محمد بن الحسن بن سليمان أبو جعفر الزوزنى البحاث أحد الفقهاء المبرزين قضاة المسلمين

تولى القضاء بنواحى خراسان وما وراء النهر

وسماه الحاكم فى تاريخ نيسابور محمد بن على بن عبد الله والصواب ما أوردناه

ولم يزد شيخنا الذهبى على أن قال محمد بن الحسن أبو جعفر الفقيه الشافعى له ترجمة طويلة عند ابن الصلاح انتهى

وهذا القاضى كان من أساطين العلم وكان من أقران الأودنى وكان يكون بينهما من المنافرة فى المناظرة ما يكون بين الأقران

وذكر أن مصنفاته فى التفسير والحديث والفقه وأنواع الأدب تربو على المائة

وقدم أبو جعفر البحاث على الصاحب بن عباد فارتضى تصرفه فى العلم وتفننه فى أنواع الفضل وعرض عليه القضاء على شرط انتحال مذهبه يعنى الاعتزال فامتنع وقال لا أبيع الدين بالدنيا فتمثل له الصاحب بقول القائل

فلا تجعلنى للقضاء فريسة ** فإن قضاة العالمين لصوص

مجالسهم فينا مجالس شرطة ** وأيديهم دون الشصوص شصوص

فأجازه البحاث بديهة بقوله

سوى عصبة منهم تخص بعفة ** ولله فى حكم العموم خصوص

خصوصهم زان البلاد وإنما ** يزين خواتيم الملوك فصوص

والقاضى أبو جعفر هذا هو جد القاضى أبى جعفر محمد بن إسحاق البحاثى الأديب شيخ الباخرزى صاحب دمية القصر وكلاهما أديب

وكان القاضى أبو جعفر الكبير صاحب هذه الترجمة مع علو مرتبته فى العلم يحب منصب القضاء

ومن شعره قصيدة قالها فى الشيخ العميد أبى على محمد بن عيسى يخطب قضاء مدينة فرغانة ويصف الربيع

اكتست الأرض وهى عريانة ** من نشر نور الربيع ألوانه

واتزرت بالنبات وانتشرت ** حين سقاها السحاب ألبانه

فالروض يختال فى ملابسه ** مرتديا ورده وريحانة

تضاحكت بعد طول عبستها ** ضحك عجوز تعود بهتانه

كم سائل لح فى مسائلتى ** عن حالتى قلت وهى وسنانه

قلب كسير فمن يجبره ** قال نرى من يحب جيرانه

سوى الوزير الذى يلوذ به ** يخدم برد الغداة إيوانه

قلت متى قال قد أتى فدنا ** مفتتح العام كان إبانه

فقلت ماذا الذى تؤمله ** فقال أبشر قضاء فرغانه

ومن شعره قال الباخرزى وهو أبلغ ما سمعت منه

إن الخزائن للملوك ذخائر ** ولك المودة فى القلوب ذخائر

أنت الزمان فإن رضيت فخصبه ** وإذا غضبت فجدبة المتعاسر

فإذا رضيت فكل شيء نافع ** وإذا غضبت فكل شيء ضائر

وشعره كثير وكذلك شعر حفيده أبى جعفر

قال الحاكم توفى ببخارى سنة سبعين وثلاثمائة

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقى قراءة عليه وأنا أسمع عن يوسف بن محمد بن المهتار عن العلامة أبى عمرو ابن الصلاح قال أنبئت عن أبى سعد ابن السمعانى قلت وأذن لى أبو عبد الله الحافظ فى طائفة عن أبى الفضل بن عساكر عن أبى المظفر السمعانى عن أبيه ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏